الشريط الإخباري

الرئيس فرنسي يصل دمشق.. دلالات وابعاد الزيارة

 الرئيس فرنسي يصل دمشق.. دلالات وابعاد الزيارة




دمشق تستقبل ماكرون.. زيارة تاريخية تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط

الحديدة اكسبرس الاخباري |خير وتحليل 
الاثنين 6-7-2026 

في مشهد يحمل دلالات سياسية عميقة، وطئت قدما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أرض دمشق، اليوم الثلاثاء، في زيارة هي الأولى لرئيس دولة غربية كبرى منذ سقوط نظام الأسد، والأولى لرئيس فرنسي إلى العاصمة السورية منذ 17 عاماً. الزيارة التي تأتي بعد أقل من عام على تشكيل الحكومة الانتقالية في سوريا، تحمل في حقائبها ملفات شائكة وطموحات استثمارية ضخمة، في محاولة فرنسية لاستعادة الريادة الإقليمية وقيادة الموقف الأوروبي تجاه المستقبل السوري.

الوفد الاقتصادي: "توتال" و"سي إم إيه" في قلب إعادة الإعمار

لم تكن الزيارة رمزية بحتة، إذ رافق ماكرون وفد اقتصادي رفيع المستوى يضم رؤساء كبرى الشركات الفرنسية، على رأسهم رئيس شركة توتال إنرجي العملاقة للطاقة، ورئيس مجموعة سي إم إيه سي جي إم للنقل البحري. هذا الحضور يعكس رغبة باريس في اقتناص فرص إعادة الإعمار التي تقدر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات، خاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والموانئ.

وتأتي هذه الخطوة كترجمة عملية للدعم الفرنسي المبكر لتخفيف العقوبات الغربية عن سوريا، حيث تعمل باريس كورقة ضغط أوروبية لدفع الحكومة السورية نحو تسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، مقابل فتح آفاق الاستثمار أمام الشركات الفرنسية التي تعتبر نفسها الأقدر على المنافسة في السوق السورية الجديدة.

إعادة تعريف العلاقة الأوروبية – السورية

يسعى ماكرون من خلال هذه الزيادة إلى تثبيت فرنسا كطرف أساسي في معادلة المستقبل السوري، بعيداً عن الهيمنة الأمريكية أو التركية أو الإيرانية. ففرنسا كانت من أوائل الدول الغربية التي اعترفت بالحكومة الانتقالية، كما لعبت دوراً رائداً في رعاية مسار المصالحة مع المكون الكردي شمال شرق سوريا.

وتأتي الزيارة في توقيت حساس، إذ تحاول أوروبا، بقيادة باريس، رسم سياسة مستقلة عن واشنطن، خاصة مع وجود تباينات واضحة حول كيفية التعامل مع الملف اللبناني والدور السوري فيه. فبينما تشجع الولايات المتحدة تورطاً عسكرياً سورياً في لبنان، تكتفي فرنسا بدعم دور سوري محدود في ضبط الحدود فقط، مع الحفاظ على الاستقلالية اللبنانية.

الملفات الأمنية: تنظيم الدولة والجهاديون في الميزان

على طاولة المباحثات، يحتل الملف الأمني مساحة كبيرة، إذ تضع باريس ملف مكافحة الإرهاب ومصير الجهاديين الفرنسيين المحتجزين في سوريا على رأس الأولويات. وتأتي هذه الزيارة بعد أيام من إعلان سوريا انضمامها رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، وهو ما يعكس تقارباً في الرؤى الأمنية بين الجانبين.

كما سيطلب ماكرون من القيادة السورية الجديدة التزامات واضحة وعلنية بحماية حقوق الأقليات، وضمان انتقال سياسي شامل لا يستثني أي مكون سوري، في محاولة لتفادي سيناريوهات الفوضى والصراعات الطائفية التي شهدتها دول المنطقة بعد ثورات الربيع العربي.

قراءة في الأبعاد: بين الطموح والواقع

تبدو زيارة ماكرون كخطوة استباقية لاستثمار الفراغ السياسي في المنطقة، وتحديداً في ظل انشغال الإدارة الأمريكية بالانتخابات الرئاسية المقبلة، وانكفاء روسيا جزئياً نحو أوكرانيا. غير أن نجاح هذه الزيارة مرتبط بقدرة الجانب السوري على تقديم تنازلات سياسية حقيقية، مقابل فتح الأبواب أمام الاستثمارات الأوروبية.

فرنسا تريد أن تكون الضامن الأوروبي للانتقال السياسي في سوريا، لكنها في المقابل قد تجد نفسها أمام اختبار صعب في التوفيق بين مطالب المعارضة السورية في الخارج، ورغبات النظام الجديد في الداخل، وحسابات حلفائها في الخليج والولايات المتحدة.

في النهاية، تبقى زيارة ماكرون إلى دمشق مؤشراً على تحول كبير في الموقف الغربي من سوريا، حيث تحل لغة المصالح الاقتصادية والأمنية محل لغة المقاطعة والعقوبات، فيما تراقب العواصم العربية والأوروبية عن كثب ما ستسفر عنه هذه الخطوة التاريخية من نتائج على الأرض.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال