الشريط الإخباري

عِنْدَمَا يُفْتَحُ "بَابُ المُحَرَّمَاتِ": أُفُولُ أُحَادِيَّةِ القُطْبِ وَمِخَاضُ الإِمْبِرَاطُورِيَّاتِ.

 عِنْدَمَا يُفْتَحُ "بَابُ المُحَرَّمَاتِ": أُفُولُ أُحَادِيَّةِ القُطْبِ وَمِخَاضُ الإِمْبِرَاطُورِيَّاتِ.


بقلم موسى عبّاس | الحديدة اكسبرس الاخباري 

مقال راي | 28-7-2026 




لَمْ يَعُدِ الحَدِيثُ عَنْ "تَآكُلِ النُّفُوذِ الأَمْرِيكِيِّ" تَرَفًا فِكْرِيًّا لِخُصُومِ وَاشِنْطُن، بَلْ أَصْبَحَ اليَوْمَ يَدُورُ فِي قَلْبِ العَاصِمَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ نَفْسِهَا، وَعَلَى أَلْسِنَةِ نُخَبٍ كَانَتْ حَتَّى الأَمْسِ القَرِيبِ تَعْتَبِرُ التَّشْكِيكَ فِي جَدْوَى "الهَيْمَنَةِ المُطْلَقَةِ" نَوْعًا مِنَ الخِيَانَة.


بِشِعَارِ "أَمْرِيكَا أَوَّلًا"، أَرْسَى دُونَالْد تْرَامْب قَطِيعَةً مَعَ إِرْثِ مَا بَعْدَ الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الثَّانِيَة، مُدَشِّنًا مَرْحَلَةَ "الانْحِدَارِ البُنْيَوِيِّ" لِلدَّوْرِ الإِمْبِرَاطُورِيّ؛ مَرْحَلَةٌ لَمْ تَعُدْ فِيهَا التَّحَالَفَاتُ دُرُوعًا مُقَدَّسَة، وَلَا القَوَاعِدُ العَسْكَرِيَّةُ اسْتِثْمَارًا بِلا كُلْفَة، وَلَا شِيكَاتُ الدَّعْمِ الخَارِجِيِّ تَمُرُّ دُونَ سُؤَالِ الشَّارِعِ الأَمْرِيكِيِّ المُنْهَك: مَاذَا جَنَيْنَا؟


— مِنَ المُسَلَّمَاتِ إِلَى قَاعَاتِ التَّشْرِيح.

لَقَدْ خَرَجَ النِّقَاشُ مِنْ غُرَفِ مَرَاكِزِ الفِكْرِ المُغْلَقَةِ إِلَى العَلَن، وَأُعِيدَتْ كُلُّ المُسَلَّمَاتِ إِلَى طَاوِلَةِ التَّشْرِيح: كُلْفَةُ حُرُوبٍ بِلَا نِهَايَة، فَاتُورَةُ حِمَايَةِ المَصَالِحِ المُمْتَدَّة، وَأَوْلَوِيَّةُ الدَّاخِلِ المُتَصَدِّعِ عَالِي التَّضَخُّمِ عَلَى الخَارِجِ المُشْتَعِل.


وَفِي قَلْبِ هَذَا الزِّلْزَال، انْكَسَرَ "التَّابُو الأَكْبَر": الدَّعْمُ الأَمْرِيكِيُّ المُطْلَقُ لِلكِيَانِ الصُّهْيُونِيّ.

فمَا كَانَ يُسَوَّقُ لِعُقُودٍ كَـ "أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ القُوَّةِ الأَمْرِيكِيَّة"، تَحَوَّلَ فِي خِطَابِ تَيَّارٍ صَاعِدٍ دَاخِلَ الحِزْبَيْنِ إِلى "عِبْءٍ اسْتِنْزَافِيّ" يُقْحِمُ واشِنْطُن فِي صِرَاعَاتٍ لا تَنْتَهِي. وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّتِ الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ رَسْمِيًّا أَنَّ مَا يَجْرِي فِي غَزَّةَ هُوَ "حَرْبُ إِبَادَة"، مِمَّا جَعَلَ الفَاتُورَةَ الأَخْلَاقِيَّةَ وَالقَانُونِيَّةَ وَالشَّعْبِيَّةَ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ العَائِدِ الاستِرَاتِيجِيّ.


— انْشِقَاقُ الـ MAGA وَسُقُوطُ الخَطُوطِ الحَمْرَاء.

لِلْمَرَّةِ الأُولَى، لَمْ يَعُدِ النَّقْدُ قَادِمًا مِنْ حَلَقَاتٍ ضَيِّقَة، بَلْ بَدَأَ يَفْرِضُ نَفْسَهُ فِي صُنْدُوقِ الِانْتِخَابَاتِ وَعَلَى أَلْسِنَةِ النُّخَبِ مِنْ كِلَا الطَّرَفَيْن:


- سِيَاسِيًّا وَانْتِخَابِيًّا:

تَحَوَّلَ الرَّفْضُ مِنْ شَارِعٍ إِلَى سُلْطَة. فَقَدْ فَازَ "زُهْرَان مَمْدَانِي" بِمَنْصِبِ عُمْدَةِ نِيُويُورْك، وَأَعْلَنَ صَرَاحَةً عَزْمَهُ عَلَى تَنْفِيذِ مُذَكَّرَةِ اعْتِقَالِ المَحْكَمَةِ الجِنَائِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ بِحَقِّ بِنْيَامِين نِتَنْيَاهُو فِي حَالِ زِيَارَتِهِ لِلمَدِينَة إذا سمح له القانون بذلك.


- إِعْلَامِيًّا:

أَبْرَزُ نُجُومِ "المَاغَاسْفِير" فِي تَيَّارِ يَمِينِ المُحَافِظِينَ بَدَأُوا يُعَبِّرُونَ عَنِ النَّدَمِ مِنَ الاصْطِفَافِ الأَعْمَى. انْتَقَدَ المُعَلِّقُ "تَاكِر كَارْلْسُون" الِانْقِيَادَ لِقَرَارَاتِ نِتَنْيَاهُو وَوَصَفَ الحَرْبَ بِأَنَّهَا "شِرِّيرَة". وَتَسَاءَلَتِ المُذيعة "مِيغِن كِيلِي": "هَلْ مَاتَ جُنُودُنَا مِنْ أَجْلِ أَمْرِيكَا أَمْ مِنْ أَجْلِ الكِيَانِ الصُّهْيُونِيّ؟"


- فِي الكُونْغْرِس:

هَاجَمَ السِّينَاتُور "مَايْك لِي" الإِحَاطَاتِ السِّرِّيَّةَ لِلإِدَارَة، وَدَعَمَ السِّينَاتُور "رَانْد بُول" مَشَارِيعَ قَوَانِينَ تُحَدِّدُ مِنْ صَلَاحِيَّاتِ الرَّئِيسِ فِي اسْتِخْدَامِ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ فِي الشَّرْقِ الأَوْسَط.


— نَمُوذَجُ الاسْتِنْزَاف: كُلْفَةُ المَوَاجَهَةِ الإِقْلِيمِيَّة.

أَوْضَحُ تَجَلِّيَاتِ هَذَا المَأْزَقِ تَبَدَّتْ فِي المَوَاجَهَةِ المَفْتُوحَةِ الَّتِي انْزَلَقَتْ إِلَيْهَا واشِنْطُن مَعَ إِيْرَان وَحَرَكَاتِ المَقَاوَمَةِ بِتَحْرِيضٍ مُبَاشِرٍ مِنْ القِيَادَةِ الصُّهْيُونِيَّة. حَرْبٌ يُدْفَعُ ثَمَنُهَا فَوْرًا مِنْ خِلَالِ:


- الاسْتِهْدَافِ المُسْتَمِرِّ لِلْقَوَاعِدِ الأَمْرِيكِيَّةِ فِي الخَلِيجِ وَالأُرْدُن، وَسُقُوطِ القَتْلَى وَالجَرْحَى فِي صُفُوفِ القُوَّات.

- تَعَطُّلِ المِلَاحَةِ فِي المَضَائِقِ الحَيَوِيَّةِ "هُرْمُز وَبَاب المَنْدَب"، وَاشْتِعَالِ المُنَشَآتِ وَآبَارِ النَّفْط، مِمَّا رَفَعَ أَسْعَارَ الوَقُودِ وَالِسِّلَعِ عَالَمِيًّا وَأَرْهَقَ المَوَاطِنَ الأَمْرِيكِيَّ دَاخِلَ بَيْتِه.

هَذَا المَشْهَدُ المِيدَانِيُّ كَشَفَ أَنَّ صَلَفْ "ترامب" وغُروره والمحيطين بِه لا سيّما وزيريْ الخارجيّة والدّفاع والعَنْجَهِيَّةَ العَسْكَرِيَّةَ لَمْ يعُودْوا قَادِرَينَ عَلَى فَرْضِ حُلُولٍ حَاسِمَة، بَلْ أَدَّتْ إِلَى غَرَقِ واشِنْطُن فِي مَصْيَدَةِ اسْتِنْزَافٍ هَيْكَلِيّ.


— هَلْ تَزُولُ أَمْرِيكَا؟ أَمْ تَسْقُطُ "الأَحَادِيَّةُ القُطْبِيَّة"؟

السُّؤَالُ لَيْسَ هَلْ سَتَخْتَفِي أَمْرِيكَا مِنَ الخَارِطَة، بَلْ: هَلْ لا تَزَالُ أَمْرِيكَا قَادِرَةً عَلَى احْتِكَارِ إِدَارَةِ العَالَم؟


الجَوَابُ: لَا. لَا تَزَالُ واشِنْطُن تَمْتَلِكُ أَعْظَمَ تَرْسَانَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ وَاقْتِصَادِيَّة، لَكِنَّ "زَمَنَ الهَيْمَنَةِ المُطْلَقَةِ قَدِ انْتَهَى".


تَمَامًا كَمَا حَدَثَ مَعَ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ البِرِيطَانِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ يَوْمًا "لا تَغِيبُ عَنْهَا الشَّمْسُ" وَتَنْهَبُ ثَرْوَاتِ القَارَّات؛ حِينَمَا أَرْهَقَتْهَا الحُرُوبُ وَتَآكَلَتْ مَشْرُوعِيَّتُهَا الأَخْلَاقِيَّةُ وَتَصَدَّعَتْ خَزِينَتُهَا، انْكَفَأَتْ فِي النِّهَايَةِ دَاخِلَ حُدُودِهَا الجَزِيرِيَّة. وَالفَارِقُ أَنَّ أَمْرِيكَا اليَوْمَ نَوِوِيَّةٌ وَاقْتِصَادُهَا عَالَمِيّ، لَكِنَّ المَصِيرَ التَّارِيخِيَّ وَاحِد.


الأَمْرِيكِيُّ اليَوْمَ يُوَاجِهُ ذَاتَ المَصِير، فَالصِّينُ تُعِيدُ صِيَاغَةَ الِاقْتِصَادِ العَالَمِيِّ بِالصَّبْر، وَرُوسْيَا تُعَطِّلُ المَشَارِيعَ الغَرْبِيَّة، وَالقُوَى الإِقْلِيمِيَّةُ الصَّاعِدَةُ لَمْ تَعُدْ تُطِيعُ الأَوَامِر.


— النَّزِيفُ البطِيءُ وَنِهَايَةُ العَنْجَهِيَّة.

مَا نَعِيشُهُ لَيْسَ سُقُوطًا سَرِيعًا فِي لَحْظَةٍ خَاطِفَة، بَلْ هُوَ "أَفُولٌ تَدْرِيجِيٌّ لِنِظَامِ القُطْبِ الوَاحِدِ".

الشَّارِعُ الأَمْرِيكِيُّ لَنْ يَثُورَ مِنْ أَجْلِ خَارِطَةٍ جِيُوسيَاسِيَّة، بَلْ سَيَثُورُ حِينَمَا يَرَى أَنَّ فُوَاتِيرَ السُّوبَرْمَارْكِت وَأَسْعَارَ النَّفْطِ وَدِمَاءَ أَبْنَائِهِ تُدْفَعُ قُرْبَانًا لِعَنْجَهِيَّةٍ إِمْبِرَاطُورِيَّةٍ وَلِدَعْمِ "حَرْبِ إِبَادَةٍ" أَقَرَّتْ بِهَا الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ وَيَخُوضُهَا الكِيَانُ الصُّهْيُونِيّ.

وَعِنْدَمَا يَنْتَهِي هَذَا المَخَاضُ الطَّوِيل، سَيُدْرِكُ العَالَمُ أَنَّ القُوَّةَ العَارِيَةَ المَجْرُودَةَ مِنَ الأَخْلَاقِ لَا تَصْنَعُ إِمْبِرَاطُورِيَّةً دَائِمَة، وَأَنَّ عَصْرَ الِاسْتِكْبَارِ الأَمْرِيكِيِّ قَدْ دَخَلَ نِهَايَتَهُ الحَتْمِيَّة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال