لعبة الأنفاس الأخيرة: من سيخسر الوقت أولاً؟ عجز العواصم عن رد تهديد عُمان يكمل ما بدأته إيران
كتب: موسى عبّاس | الحديدة اكسبرس الإخباري
الثلاثاء 18-8-8-2026
منذ أن سكتت المدافعُ نسبياً بعد خمسة أشهر من التصعيد المفتوح، دخلت المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلةً جديدة. لم تعد تُدار بالصواريخ، بل بالساعات.
ترامب اكتشف متأخراً أن الحرب الكبرى مكلفة أكثر مما تحتمل ميزانيته وصناديق الاقتراع. فقرر سحب يده من الزناد ووضعها على ملف العقوبات. الهدف لم يعد تغيير النظام ولا نزع النووي. الهدف تقلص إلى مطلب واحد: أن تعود ناقلات النفط للمرور في هرمز دون إذن إيراني. أي نصر شكلي قبل نوفمبر.
طهران قرأت الرسالة. وردّت برفع الكلفة، غير متفاوضة على النووي وحده؛ بل تربط فتح المضيق بملفات الإقليم كلها:
— الأموال المُحتجزة،
— الانسحاب الأمريكي،
— وقف النار في غزة ولبنان.
حتى لو وقّعت اتفاقاً مِلاحيّاً مع مسقط، فذلك لا يعني شيئاً. هرمز تحوّل من ممر مائي إلى بنك سياسي.
لماذا تجرّأت إيران على هذا التصعيد؟ لأنها ترى البيت الأمريكي من الداخل:
مخازن فارغة، وحاملة تائهة في الخليج بعد ثمانية أشهر بلا إمداد، وشارعاً أمريكياً يسأل: لماذا ندفع ثمن بنزين أغلى مقابل دعم نتن ياهو وكيانه؟ صحيح أن الداخل الإيراني يعاني من ضائقة اقتصادية حادّة واختبارات معيشية قاسية بفعل العقوبات والحصار ،لكن الرّهان الأمريكي على تفجير الشارع ضد النظام ثبت فشله مراراً؛ فالشعب الإيراني يدرك أن الاستهداف الخارجي يهدف لكسر الدولة وإسقاط النظام الإسلامي ، مما يجعل الجبهة الداخلية أكثر تماسكاً في مواجهة الضغط الخارجي.
—ثلاثةسيناريوهات على الطاولة:
— السيناريو الأوّل: هدنة اقتصادية مؤقتة
وهي الأرجح حالياً. ترامب يعلن فتحاً جزئياً لهرمز انتصاراً وينسحب خطوة للخلف، وإيران توافق على تهدئة مؤقتة مقابل تخفيف ضغط مالي. الهدف من الطرفين واحد: ربح الوقت حتى الانتخابات الأمريكية ليعرف كل طرف من سيحكم واشنطن بعدها، وحتى تنجلي صورة الداخل الإيراني.
— السيناريو الثاني: عضّ الأصابع حتى ينكسر أحدهم.
هنا لا اتفاق ولا حرب، فقط استنزاف. إيران تغلق وتفتح، وأمريكا تعاقب وتتراجع، والأسعار ترتفع، هذا السيناريو قد يمتد طالما رأت طهران أن الصبر سلاح أمضى وأطول مدى من القصف.
— السيناريوالثالث: تفجير من الخارج،
وهنا يدخل العامل الأخطر: بنيامين نتنياهو، مُجرم محاصر بمحاكم واحتجاجات وحكومة هشّة، وتاريخه يقول إن نجاته السياسية تبدأ دائماً بشرارة حرب. هو لا يبحث عن نصر استراتيجي بقدر ما يبحث عن إنجاز صُوَري يقلب به ميزان قواه الانتخابي؛ لذا يُركِّز نتنياهو بكل ثقله العسكري على محاولة احتلال تِلّة "علي الطاهر" في لبنان، ظناً منه أن هذا الاختراق الجغرافي المحدود قد يمنحه الورقة الرابحة في الداخل لدى الكيان الغاصب. لكنه يصطدم بواقع مغاير؛ فالمقاومة هناك صامدة، تُدير معركة استنزاف قاسية، وتتصدى لكل محاولات التوغل رغم القصف المتواصل بأطنان المتفجِرات، موقعةً خسائر متلاحقة في صفوف القوات المهاجمة، مما ي يُحوِّل تلك التِلّة المأمولة إلى مَصيَدة سياسية وعسكرية له. وقبل الانتخابات هناك، قد يحتاج إلى حادث أكبر لجرّ واشنطن مجدداً إلى الحرب، وتعطيل أي مسار تفاوضي، وتأجيل حسابه الداخلي.
لو حدث ذلك، فالهدنة المؤقتة ستنهار في أربع وعشرين ساعة، وستعود الجبهات المشتعلة إلى ذروتها: اليمن لن يكتفي بالبحر الأحمر بل سيوَسًع بنك الأهداف، والعراق سينشط قواعد الاشتباك ضد التواجد الأمريكي، ولبنان سيفتح جبهة الجليل بلا سقوف. وستعود أمريكا رغماً عنها إلى المُربّع العسكري الذي هربت منه.
— الثغرة في الجدار: الصمت العربي.
في ذروة هذا التوتر، هدد ترامب دولة عربية (سلطنة عمان) بالمسح إذا عطّلت خططه في هرمز ووقَعت إتّفاقاً مع إيران لإدارة المضيق ، لم يكن التهديد لإيران، بل لسيادة عربية صريحة.
وكان الرَدّ؟ صمت مطبق.
هذا ليس دبلوماسية هادئة ولا إدارة أزمة، بل هو تخاذل سياسي مكشوف. نظام عربي يملك الجيوش والمال والمواقع الاستراتيجية، لكنه يفتقر إلى قرار "لا". ولو أن هذه العواصم توحدت وقالت لترامب كلمة لا، وامتلكت الشجاعة للتلويح بورقة النفط والمصالح تماماً كما فعل الاتحاد الأوروبي حين فرض تراجعاً كاملاً على ترامب في أزمة غرينلاند لتغيرت معادلة المنطقة بأسرها، خصوصاً في ظل تقاطع المصالح الدولي والإقليمي الداعم لرفض الهيمنة الأمريكية.
النتيجة الطبيعية لهذا العجز الرسمي: المواطن صار هو من يدافع عن السيادة عبر منشور، والدولة صارت هي من تحاسبه عليه.

0 تعليقات