قلعة الزاهر بمديرية عتمة .. شموخٌ يروي حكاية اليمن من فوق القمم .


قلعة الزاهر بمديرية عتمة .. شموخٌ يروي حكاية اليمن من فوق القمم ..
 
إعداد وليد صلاح |خاص الحديدة اكسبرس الإخباري *
بين هيبة القمم وسكينة الوديان، وفي قلب عتمة الخضراء، تقف قلعة الزاهر شامخةً فوق جبلٍ يلامس السحاب، كأنها جزءٌ من تضاريس المكان، أو كأن الجبل نفسه قرر أن يروي حكايته حجراً فوق حجر.
 
هنا، لا تبدو القلعة مجرد بناءٍ عتيقٍ يستعيده الزائر من صفحات التاريخ، بل تبدو ذاكرةً معلّقةً في الأعالي، تختزن سيرة المكان، وتحفظ حكايات الرجال، وتختصر في جدرانها فصولاً من تاريخ اليمن، حيث امتزجت العمارة بالحياة، والتحصين بالجمال، والماضي بالحاضر.
 
ولأن الحكاية لا تُروى من بعيد، تأتي هذه الصفحات بلسان واحدٍ من أبناء القلعة؛ ممن لم يعرفها أثراً صامتاً، بل عرفها مأوىً ومشهداً وذاكرةً وهيبةً وميراثاً.


 

 
قلعة سكنّاها.. وسكنت فينا.
 
تُعد قلعة الزاهر من أبرز القلاع والحصون التاريخية في مديرية عتمة، ومن المعالم الأثرية والتراثية اللافتة في محافظة ذمار.
 
وتتفرّد بمزيجٍ نادر من عناصر القوة والجمال: موقعٍ استراتيجي يعلو الجبال، وبناءٍ ضخمٍ متعدد الطوابق، وتاريخٍ طويلٍ شهد التحولات والصراعات، ووظيفةٍ دفاعية جعلت منها عيناً على الطرق والممرات، فضلاً عن رمزيتها الاجتماعية وحضورها المعماري المهيب.
 
وعلى امتداد تاريخها، لم تكن القلعة مجرد موضع للسكن، بل كانت مركزاً للحضور والحماية والرباط، وشاهداً على حروبٍ وأحداثٍ تركت بصماتها في ذاكرة المنطقة.
 
وكان لها حضورٌ في مقاومة الغزو العثماني، كما عاصرت أحداث التخريب المعروفة باسم "الجبهة" التي عصفت بالمناطق الوسطى، وكانت عتمة من أكثر المناطق تأثراً بها.
 
ومن بين كل تلك التحولات، بقيت القلعة واقفةً؛ تتلقى ضربات الزمن، ثم تستعيد عافيتها، وكأن في حجارتها ذاكرةً لا تعرف الاستسلام.لم يختر البنّاؤون الأوائل هذا الموضع مصادفة. فقلعة الزاهر تتربع على قمة جبلية تمنحها إطلالةً واسعة على الجهات المحيطة، وتجعل منها نقطة مراقبة طبيعية، ترى الطرق والممرات، وتشرف على الأودية والمخاليف والجبال.ومن أعاليها، يمتد البصر على **مخاليف المديرية الخمسة**، وعلى مساحات واسعة من مديريات جبل الشرق والقفر، وأجزاء من مغرب عنس، وامتدادات تصل إلى وصاب.وتطل القلعة كذلك على عدد من الأودية الزراعية، بينها **وادي الزيلة، ووادي خبش، ووادي جعفر**، حيث تتناثر المدرجات الزراعية على السفوح، وتتداخل القرى مع الخضرة، ويصعد الضباب في مواسمه كستارةٍ طبيعية تكمّل المشهد.
 
ومن نوافذ القلعة وشرفاتها وساحاتها العليا، لا يرى الزائر طبيعةً جميلة فحسب، بل يرى لوحةً يمنيةً كاملة التفاصيل:جبالاً تتعاقب، ومدرجاتٍ خضراء، وقرىً تتناثر بين السفوح، وطرقاً تتلوى في تضاريس المكان، وأفقاً مفتوحاً يجعل القلعة نقطة مشاهدة استثنائية. ولهذا لا تختزن الزاهر قيمةً تاريخية فحسب؛ إنها أيضاً وجهة سياحية بامتياز، تجمع في مكانٍ واحد التاريخ والعمارة والطبيعة.
 
___من أطلالٍ قديمة إلى قلعةٍ تولد من جديد
 
قبل أن تتخذ القلعة صورتها الحالية، كان في هذا الموضع بناءٌ قديم تهدم بفعل الزمن والطبيعة وما شهدته المنطقة من غزواتٍ وحروب.وكان البناء القديم يتكون من طابقين، ويؤدي وظائف دفاعية مهمة؛ من تأمين الطرق وحماية القوافل إلى مراقبة المنطقة والممرات المحيطة.وبسبب أهمية الموقع، أصبح عرضةً لغزواتٍ متكررة من جماعاتٍ سعت إلى السيطرة على طرق القوافل وفرض الأتاوات وقطع الطرق والاستحواذ على مفاصل الحركة في المنطقة.وتشير الوثائق والمدونات القديمة إلى فتراتٍ تم فيها الاستيلاء على الموقع، قبل أن يُستعاد في حملاتٍ قام بها عمال الأئمة المتعاقبون على المنطقة.لكن المواجهات تركت آثارها؛ فتهدمت أجزاء واسعة من البناء، ثم جاء الإهمال ليكمل ما بدأته الحروب، حتى غاب البناء القديم تحت ركام الزمن. ومن ذلك الخراب، بدأت قصة أخرى.
 
__قصة الميلاد الثاني لقلعة الزاهر.
 
#1213هـ.. حين بدأت القلعة من جديد
 
في عام **1213هـ الموافق 1798م**، بدأ الشيخ **علي بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن عبدالله صلاح، رحمه الله**، مرحلةً تأسيسية أعادت الحياة إلى الموقع.أزيلت مخلفات البناء القديم، ووسّعت مساحة الأرض من الجهات المختلفة، وبدأ تأسيس الأدوار الأولى للقلعة التي نعرفها اليوم.ولم يكن ذلك مجرد مشروع بناء، بل كان إعادة إحياءٍ لموضعٍ استراتيجي وتاريخي.

وقبل وفاته، ترك الشيخ علي بن إسماعيل وصيةً أوقف فيها أموالاً وأملاكاً للإنفاق على القلعة وصيانتها والعناية بها، وأوصى أبناءه وأحفاده بمواصلة ما بدأه، ولا سيما استكمال البناء في الجهة الشرقية. وهكذا تحولت القلعة من مشروع رجلٍ إلى أمانة عائلية تناقلتها الأجيال. وتروي الوثائق كذلك أن الشيخ علي إسماعيل كان قد تولى العمل على عتمة في عهد الإمام المهدي عبدالله بن أحمد بن علي بن عباس، وأن بيت مال المسلمين تقدم بعد وفاته بدعوى ملكية القلعة، باعتبار أن بناء أجزاء منها تم خلال فترة عمله. إلا أن أحكاماً قضائية صادرة من الدرجتين الأولى والثانية انتهت إلى ثبوت ملكية القلعة للشيخ علي إسماعيل وأبنائه من بعده، باعتبار أنه بناها من أملاكه الخاصة.
 
## أسماء متعددة.. وقلعة واحدة
 
على مر الزمن، عُرفت القلعة بأسماء متعددة، وكل اسم منها يحمل جانباً من حكايتها.
 
#قلعة الزاهر
وهو الاسم الأكثر التصاقاً بصورتها الحالية؛ فالزاهر في العربية هو المشرق الحسن، جميل الطلعة والصافي.ولعل الاسم يليق بالمكان؛ إذ تبدو القلعة من بعيد كأنها نقطة ضوء فوق الجبل، تستوقف العين قبل أن تصل إليها.
 
#حصن الذاهبي
نسبةً إلى بناءٍ قديم كان في جزء من الموقع، وعُرف باسم الذاهبي، نسبةً إلى الأسرة المعروفة بهذا الاسم، والتي تربطها بالقلعة وأهلها روابط قديمة من الأخوة والصحبة والنسب.
 
#قلعة حصن سماه
نسبةً إلى مخلاف سماه، الذي تتوسطه القلعة وتعد من أبرز حصونه ومعالمه.
 
#قلعة آل صلاح
نسبةً إلى مؤسسها الشيخ علي بن إسماعيل صلاح، وإلى أسرة آل صلاح التي ارتبط اسمها بعدد من القلاع والحصون في المنطقة، ومنها قلعة الحصن الحربي في عزلة علي الغربي، وقلعة المصنعة في عزلة المطبابة، وحصن الشرف في عزلة بني غصين. تتعدد الأسماء، لكن الصورة واحدة: قلعةٌ جمعت الشموخ والضياء، والتاريخ والجمال.فحين يقترب الزائر من القلعة، تتكشف أمامه طبقات من العمارة اليمنية التي لم تبنِ الحجر لمجرد الحماية، بل جعلت منه لغةً للجمال والوظيفة. تتكون القلعة من **خمسة طوابق في الجهة الشرقية وأربعة طوابق في الجهة الغربية**، ويعود هذا التفاوت إلى طبيعة الصخرة التي أقيم عليها البناء.
 
أما الطابق العلوي، فقد هُدم إبّان أحداث ثورة 1948.
وتضم القلعة قرابة **مائة غرفة**، تتوزع بين المجالس والممرات ومرافق السكن والتخزين والمراقبة والاستقبال، بما يكشف عن كونها مجمعاً عمرانياً متكاملاً فوق قمة الجبل. وفي الجهة الشمالية الشرقية تقوم **نوبة للحراسة**، يبلغ ارتفاعها تقريباً ارتفاع القلعة نفسها، لتؤكد أن المكان لم يكن قصراً للسكن فحسب، بل منظومة دفاعية متكاملة. هنا تتجاور الصلابة مع الأناقة.
جدرانٌ صلبة، وطوابق متعالية، وكتلةٌ معمارية مهيبة، لكنها في الوقت ذاته لا تنفصل عن الجبل ولا تصطدم بجمال الطبيعة. إنها قلعة تشبه القصر، وقصرٌ لا يتخلى عن هيبة الحصن. لم يكتفِ البنّاؤون بتشييد حصنٍ يصمد أمام الخطر، بل بنوا مكاناً يستطيع أن يعيش فيه الإنسان. وهنا تتجلى عبقرية العمارة اليمنية القديمة؛ **الأمن والاستدامة في بناء واحد.

 
#المدافن
مخازن أرضية لحفظ الحبوب وتخزينها لفترات طويلة، بما يعكس وعياً مبكراً بالأمن الغذائي والاستعداد لفترات الشدة.
 
#الأحقاب
مخازن أخرى كانت تستخدم لحفظ حبوب البن، في دلالة على ارتباط القلعة بمحيطها الزراعي والاقتصادي.
 
#البرك
خزانات لجمع مياه الأمطار وحفظها، وهي واحدة من أبرز صور براعة الإنسان اليمني في إدارة المياه داخل البيئات الجبلية.
 
#مجالس الاستقبال
وتضم القلعة مجلسين للاستقبال مع ملحقاتهما، يطلان على الجهات الغربية والجنوبية، ويشرفان على أفق واسع من المخلاف والمديرية. وكانت هذه المجالس فضاءً للضيافة واستقبال أقيال المخلاف والمديرية والوافدين من خارج المنطقة، فكان العمران هنا يعكس المكانة الاجتماعية كما يعكس الوظيفة العملية.
 
#المسجد.. حين تلتقي الحصانة بالسكينة



إلى جوار القلعة، من الجهة القبلية، يقف مسجد أثري قديم، بناه الشيخ عبدالرزاق بن علي بن إسماعيل صلاح، رحمه الله، عام 1288هـ**، وفق ما تشير إليه النقوش والمخطوطات المدونة في سقفه. ويكتمل بهذا المسجد المشهد المعماري للقلعة. فالمكان لم يكن للحماية والقوة وحدهما، بل كان أيضاً للعبادة والسكينة.
قلعة الزاهر لم يصنعها رجلٌ واحد، ولم تُنجز في زمنٍ واحد. إنها حصيلة قرونٍ من البناء والترميم والتوسعة، تناقلت خلالها الأجيال مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث.
 
#1213هـ – 1798م.. التأسيس
أسس الشيخ علي بن إسماعيل بن محمد صلاح الجزء الأول من القلعة، وأزال بقايا البناء القديم، ووسّع مساحة الموقع، وشيد الحصن القبلي الغربي، ووضع أساسات الحصن الشرقي، ثم ترك وصيته التي خصص فيها أموالاً لصيانة القلعة.
 
#1251هـ – 1835م.. الاستكمال
واصل الشيخ عبدالرزاق بن علي بن إسماعيل صلاح وإخوانه البناء، فاستكملوا الحصن الشرقي وشيدوا ثلاثة طوابق، وأضافوا درجاً قبلية تربط أجزاء القلعة ببعضها.
 
#1268هـ – 1851م.. الحصن الغربي العدني
شيد الشيخ عبدالرزاق الحصن الغربي العدني، وأضاف كتلة جديدة إلى البناء، وربطه بالحصن القبلي بمدخل ودرج واحد.
 
#1288هـ – 1872م.. المسجد والبرك
شهد هذا العام بناء المسجد الأثري الحالي، إلى جانب بركتين لتجميع مياه الأمطار، مع تخصيص أموال للمسجد واستمرار رعايته عبر الأجيال.
 
#1311هـ – 1893م.. الباب الجامع
أضاف الشيخ محسن بن أحمد بن علي بن إسماعيل محمد صلاح الطابق الرابع في الجهة الشرقية، وأنشأ البوابة التي جمعت الحصون الثلاثة تحت مدخل واحد، فعُرفت باسم **الباب الجامع**، وأطلق على مجموع الحصون اسم **قلعة الزاهر
.كما أعاد ترميم أجزاء من الجهة الغربية، وفتح مدخلاً جديداً من الجهة القبلية قريباً من المسجد.
 
#1350هـ – 1931م.. الطابق الخامس
أكمل الشيخ عبدالواحد بن محسن بن أحمد بن علي إسماعيل محمد صلاح الطابق الخامس في الجهة الشرقية والرابع في الجهة الغربية، وأضاف مجلساً ومرافقه وحمام بخار من الزجاج، في إضافة معمارية تعكس تطور متطلبات الحياة داخل القلعة.
 
#1384هـ – 1964م.. مجالس الاستقبال
أنشأ الشيخ عبدالواحد ديواني استقبال مع ملحقاتهما، وأجرى أعمال ترميم وصيانة واسعة، كان من أبرزها إعادة بناء الركن الشرقي الجنوبي للقلعة من أساسه حتى قمته.
 
#1405هـ – 1984م.. الترميم بعد أحداث الجبهة
بعد الأضرار الكبيرة التي لحقت بالقلعة نتيجة أحداث الجبهة، أعاد الوالد الشيخ عبدالوهاب بن عبدالواحد بن محسن بن أحمد بن علي بن إسماعيل بن محمد صلاح، رحمه الله**، ترميم أجزاء واسعة من القلعة، ولا سيما الجهات الغربية والجنوبية. كما أعاد بناء الأدوار العلوية الشرقية، وفتح نوافذ كبيرة، ورمم البرك الرئيسية.
 
#1410هـ – 1990م.. الحصن الجديد
أضاف الشيخ عبدالوهاب حصناً جديداً من الجهة الجنوبية، مكوناً من ثلاثة طوابق، وربطه بالقلعة وديواني الاستقبال بمدخل واحد.
 
#واستمرار الحكاية
وفي المراحل اللاحقة، واصل الشيخ جمال بن عبدالوهاب صلاح أعمال الحفاظ على القلعة، فجرى ترميم أسطحها وصبها بالأسمنت، إلى جانب أعمال أخرى لمعالجة الأجزاء المتهالكة ومواصلة الصيانة. وهكذا لم تتوقف القلعة عند حدود التاريخ.كل جيلٍ أضاف حجراً، وكل وصيةٍ مدّت جسراً بين الماضي والمستقبل، وكل يدٍ امتدت إلى البناء كانت تقول إن هذا الإرث أكبر من أن يُترك للزمن. إنها ذاكرةٌ ترتفع فوق الجبل، ومشهدٌ يختصر جمال اليمن، وسيرةٌ حجرية تروي كيف استطاع الإنسان اليمني أن يحوّل القمة إلى مأوى، والحجر إلى عمران، والتحصين إلى جمال، والمكان إلى هوية. ولهذا فإن حماية قلعة الزاهر ليست حمايةً لحجارةٍ قديمة، بل صونٌ للتاريخ والهوية والذاكرة والوجدان. إنها أمانةٌ حملتها أجيال، ومن حق الأجيال القادمة أن تراها كما بقيت:
**شامخةً فوق عتمة،
حارسةً لذاكرة المكان،
ومصافحةً للسحاب.

_____

المصدر : مواقعك إلكترونية ،شبكة التواصل، ai
///////////////////////

إرسال تعليق

0 تعليقات