السقوط في مستنقع الانهزامية والتفريط: من قاضٍ دولي يدين مجرمي الحرب إلى سمسار لأجندات واشنطن وكيان الاحتلال
كتب: موسى عبّاس |مقال راي
خاص |الحديدة اكسبرس الإخباري
إن الموقف المخزي الذي يمثله رئيس الحكومة نواف سلام ليس سوى التجسيد الأصفى والأرذل للانهزامية السياسية والانكسار المطلق؛ فهو الرجل الذي ترأس يوماً محكمة دولية أقرّت بجرائم نتنياهو واعتبرته مجرم حربٍ نبذته غالبية دول وشعوب العالم، فإذا به، وما إن جرى تعيينه رئيساً للحكومة اللبنانية بضغط أمريكي سعودي مفضوح، يتخلى بوحشية مطلقة عن كل تاريخه، وكل ما فيه مصلحة الوطن، ليتحول بين عشية وضحاها إلى رأس حربة في التواطؤ ضد شعبه وكرامة وطنه. لقد أدار ظهره عمداً لملاحقة ومحاكمة مجرم حربٍ تجرأ وتباهى بجرائمه على مرأى من البشرية جمعاء، ولا سيما جريمة تفجير أجهزة "البيجر" الإرهابية التي استهدفت المدنيين الأبرياء بدم بارد، ليفضل الارتتهان الكامل للإملاءات الخارجية والتبرؤ التام من دماء الأبرياء وتضحيات الشهداء، في سقوط أخلاقي وقانوني لا قيام له بعدها.
—وثائق العار الإعلامية: فضائح كواليس واشنطن وتقارير الصحف المحلية والأمريكية والعربية
لقد سلطت وسائل الإعلام المحلية والعربية والأمريكية الضوء على كواليس لقاء نواف سلام بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن، كاشفةً عن الفضيحة الكبرى ومخططات "الإطار الثلاثي" المشبوهة. وفي مقدمة هذه الوسائل:
وكالة الأنباء العالمية (رويترز): التي وثقت بالصور والتفاصيل أجواء اللقاء الرسمي بين نواف سلام وماركو روبيو في مقر وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن، مسلطة الضوء على المطالب الأمريكية المرتبطة بالوضع الأمني وحصر السلاح.
وكالة الأنباء (الأناضول):
التي غطت بدقة دعوات نواف سلام لتفعيل ما يُعرف بـ"الإطار الثلاثي" ووضع جداول زمنية لتحويل مبدأ التبادلية والمرحلية إلى خطوات عملية على الأرض.
صحيفة "الشرق الأوسط" وقناة "العربية.نت":
اللتان أفاضتا في تفصيل مطالب الجانب الأمريكي بضرورة اتخاذ إجراءات صارمة ضد أنشطة حزب الله، وربط المساعدات المستقبلية وإعادة الإعمار بمدى تجاوب الحكومة اللبنانية مع هذه الإملاءات الأمنية.
صحيفة "الخليج" الإماراتية: التي تناولت تفاصيل ربط مستقبل لبنان الاقتصادي والمالي بتعطيل شبكات المقاومة وتطبيق شروط "الإطار الثلاثي".
صحيفة "الجريدة" الكويتية وموقع "العربي الجديد": اللتان نشرتا قراءات تفصيلية لكواليس اللقاءات، مشيرتين إلى الضغوط الدبلوماسية والمقايضات الميدانية المرتبطة بمسارات الانسحاب ونزع السلاح.
— تشريح مسار "البلدة بالبلدة" والوصاية الدولية: تفاصيل الخطة المشبوهة
لم تكن التفاصيل التي تسربت حول الطروحات التي قدمها رئيس الحكومة نواف سلام مجرد أفكار عابرة، بل شكلت هندسة متكاملة لتفريغ السيادة الوطنية ونقل المعركة إلى قلب الداخل اللبناني، وترتكز على المحاور الآتية:
معادلة المقايضة الميدانية ("البلدة المحتلة بالبلدة المنزوعة"):
تقضي بأن يترافق أي انسحاب شكلي ومحدود لجيش كيان الاحتلال من قرية أو بلدة محتلة جنوب نهر الليطاني، مع خطوة موازية وفورية تقضي بسحب السلاح وتجريد المقاومة من بلدات وقرى أخرى جنوب النهر وشماله، وهو منطق مقلوب يساوى بين الجلاد والضحية.
الاستعانة بقوات متعددة الجنسيات (بما فيها فرنسية وعربية):
زج تشكيلات أجنبية وقوات دولية لتلعب دوراً قسرياً وميدانياً مباشراً لمساندة الجيش اللبناني في تفكيك البنى التحتية للمقاومة ومصادرة أسلحتها بالقوة، في تحول خطير نحو الوصاية الأجنبية المُقَنّعة.
—استهتار أرعن بشعب المقاومة: حين يتصرف رئيس الحكومة كزعيم حزب معادي
إن أسوأ ما في أداء نواف سلام وأكثر خطورة هو تعاليه واستهتاره السافر بقسْم كبير وعريض من الشعب اللبناني الأبي الذي يحتضن المقاومة ويروّيها بدمائه وعرق أبنائه. فهو لا يتصرف البتة كرجل دولة جامع مسؤول عن حماية جميع مواطنيه دون استثناء، بل يسلك سلوك زعيم فريق أو حزب معادي ومأجور، يتعامل مع أكثريّة الشعب وبيئته الوطنية وكأنهم أعداء يجب استئصالهم أو القضاء على وجودهم وتاريخهم.
إن هذا الحقد السياسي والطائفي المبطن على بيئة المقاومة -التي كانت ولا تزال صاحبة الانتصارات والتضحيات الجسام التي طردت الاحتلال وأعادت لبلادنا شيئاً من كرامتها المهدرة- يعكس عمق الأزمة الأخلاقية التي تعاني منها السلطة.
— المقاومة لم تكن لتوجد أصلاً لو أن هناك دولة لبنانية تملك الكرامة، والقدرة، والإرادة لحماية الوطن منذ تأسيس الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين عام 1948؛ فمنذ لحظة النكبة الأولى والمجازر تتوالى، ولسان حال الدولة عبر العقود كان العجز المطلق، والتنصل المخزي، والاكتفاء بالبيانات الخشبية المذلّة. من رحم هذا التخاذل التاريخي ولدت المقاومة ضرورةً وجودية وحتمية وطنية مقدسة لأن الأرض لا تحميها الصالونات الدبلوماسية المكيّفة ولا البكاء الذليل على أعتاب السفارات.
— الحق تحميه القوّة.. والكرامة لا تشتريها الوصاية
ليعلم سلام وكل من يدور في فلكه في واشنطن وتل أبيب وبعض العواصم العربية المتواطئة، أن تاريخ الشعوب الحيّة يُسَطّر بحروف من نور حقيقة أزلية لا تقبل التشكيك:
— الحق تحميه القوّة وحدها، والغطرسة الصهيونية لا تواجه بالبيانات الخشبية ولا بالاستجداء على أعتاب الكبار.
فبيئة المقاومة والمقاومون أنفسهم يقفون اليوم على أرضية صلبة من الاستعداد للقتال الكربلائي دفاعاً عن العقيدة، والسلاح، والكرامة الوطنية، رافضين الخنوع أو الانتحار السياسي على مذبح الشروط الأمريكية. وفي المقابل، لم يغلق الحزب يوماً باب العقل والحرص الوطني، مبدياً الاستعداد الكامل لمناقشة خطة استراتيجية أمن وطني شاملة للدفاع عن لبنان والاستفادة القصوى من قدرات المقاومة وسلاحها في إطار استراتيجية دفاعية وطنية تحمي السيادة وتردع المعتدي، رافضين تماماً الانجرار إلى فتنة أهلية داخلية يخطط لها بليلٍ أعداء الداخل والخارج لضرب ما تبقى من مقومات الصمود.
إن من يبيع سلاح العزة لن يقطف سوى خزي الخيانة وسقوط الدولة إلى الأبد في مهب الريح، ولن تنفعهم كل أموال الأرض ولا وصايات الخارج في كسر إرادة شعب أثبت التاريخ أنه أصلب من أن يُقهر.
_________
الاراء الواردة في مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن توجهات الموقع

0 تعليقات