الذكاء الاصطناعي والانقسام العالمي
خاص/ الحديدة اكسبرس
15-2-2026
![]() |
| الذكاء الاصطناعي والانقسام العالمي |
مقدمه
يشكل الذكاء الاصطناعي اليوم قوة جيوسياسية كبرى تعيد رسم خريطة العالم، ليس فقط من خلال الابتكار التكنولوجي، ولكن عبر خلق انقسامات عميقة بين الدول. فبينما تسعى الدول المتقدمة لتعزيز سيادتها الرقمية، تتسع الفجوة التكنولوجية تاركة العديد من دول العالم النامي في موقع التبعية التقنية. هذا التقرير يستعرض أبعاد هذا الانقسام العالمي في عصر الذكاء الاصطناعي.
اقرا ايضا :
حرب الخوارزميات .. الذكاء الاصطناعي يخرج البشر من معادلة الاقتصاد الرقمي
أبعاد الانقسام العالمي في عصر الذكاء الاصطناعي
1. الفجوة في البنية التحتية والقدرة الحاسوبية
يُعد التوزيع غير المتكافئ لمراكز البيانات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي أبرز مظاهر هذا الانقسام. وفقًا لإحصائيات جامعة أكسفورد، توجد مراكز بيانات متخصصة في الذكاء الاصطناعي في 32 دولة فقط حول العالم، معظمها في نصف الكرة الشمالي . هذا يعني أن أكثر من 150 دولة تفتقر إلى هذه المرافق الحيوية، مما يجعلها تعتمد بشكل كلي على مزودين خارجيين .
تتجلى هذه الفجوة بوضوح في الهيمنة شبه المطلقة لشركات دولتين فقط هما الولايات المتحدة والصين، حيث تُشغّل شركاتهما أكثر من 90% من مراكز البيانات العالمية التي تعتمد عليها مؤسسات العالم في أعمال الذكاء الاصطناعي . فعلى سبيل المثال، تمتلك كل من مايكروسوفت وأمازون (AWS) وغوغل أعدادًا هائلة من مراكز البيانات حول العالم، تليها مباشرة الشركات الصينية مثل علي بابا وهواوي وتينسنت .
2. التفاوت في الاستخدام والتبني
لا تقتصر الفجوة على البنية التحتية فحسب، بل تمتد لتشمل معدلات الاستخدام الفعلية. فقد أظهرت دراسة حديثة للبنك الدولي أن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي يرتفع بشكل حاد مع ارتفاع الدخل القومي. ففي الدول ذات الدخل المرتفع، يستخدم 24% من مستخدمي الإنترنت تطبيق ChatGPT، بينما تنخفض هذه النسبة إلى 0.7% فقط في الدول ذات الدخل المنخفض .
والأكثر إثارة للقلق أن هذه الفجوة آخذة في الاتساع بدلاً من التضيق، حيث ارتفعت حصة الدول الغنية من حركة المرور العالمية لمستخدمي الذكاء الاصطناعي من 55% إلى نحو 60% في عام واحد فقط، بينما تراجعت حصة الدول متوسطة الدخل . هذا يعني أن الدول الغنية تُضيف مستخدمين جددًا بوتيرة أسرع وتُكثف استخدامها للتكنولوجيا بشكل أكبر.
3. الانقسام الجيوسياسي وصعود "المنصات السيادية"
في خضم هذا السباق المحموم، بدأت تظهر بوادر تشكيل "معسكرات تقنية" جديدة. تتوقع شركة "جارتنر" للأبحاث أن تصبح نحو 35% من دول العالم مقيدة تقنيًا بمنصات ذكاء اصطناعي إقليمية بحلول عام 2027، مقارنة بنسبة لا تتجاوز 5% حاليًا . هذا التوجه يعكس سعي الحكومات إلى ترسيخ "سيادتها الرقمية" عبر بناء منظومات ذكاء اصطناعي وطنية أو إقليمية كبديل للنموذجين الأمريكي والصيني، مع التركيز على التوافق مع القوانين المحلية والسياق الثقافي والبيئة الإقليمية .
تداعيات الانقسام: من التبعية إلى إعادة تشكيل العلاقات الدولية
🔸️مخاطر التخلف عن الركب
تحذر الأمم المتحدة من أن الذكاء الاصطناعي قد يزيد من عدم المساواة بين الدول إذا لم تُتخذ إجراءات سياسية مدروسة. ويشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الدول تبدأ هذا التحول التكنولوجي من مواقع شديدة التفاوت، مما يخلق تباينًا شاسعًا في قدرتها على جني الفوائد وإدارة المخاطر .
من أبرز هذه المخاطر:
· التبعية الاقتصادية والتقنية: الدول التي تخلفت عن الركب تخاطر بأن تصبح مجرد مستهلكة للتقنيات المطورة في الخارج، مما يحد من قدرتها على وضع السياسات الرقمية المستقلة ويخلق أشكالًا جديدة من الضعف الاقتصادي .
· تآكل المكاسب التنموية: يحذر تقرير أممي من أنه بدون سياسات شاملة، قد يتسبب الذكاء الاصطناعي في تآكل المكاسب التي حققتها العديد من البلدان منخفضة الدخل في مجالات الصحة والتعليم والدخل خلال العقود الأخيرة .
· خطر على الوظائف والفئات الهشة: الوظائف التي تشغلها النساء معرضة للأتمتة مرتين تقريبًا مقارنة بوظائف الرجال، كما أن توظيف الشباب آخذ في الانخفاض بالفعل في الأدوار الأكثر تأثرًا بالذكاء الاصطناعي .
الاستعمار الخوارزمي والتمييز الرقمي
يذهب بعض الباحثين إلى أبعد من ذلك، محذرين من شكل جديد من الهيمنة أطلقوا عليه اسم "الاستعمار الخوارزمي" . حيث تحتكر قلة من الدول والشركات أدوات الذكاء والهيمنة السيبرانية، فيما تُترك بقية الدول رهينة للقرارات والأنظمة التي لم تُشارك في صناعتها . وتتفاقم هذه المشكلة بفعل العقوبات الاقتصادية الانفرادية التي تمنع دولًا بأكملها من الوصول إلى التكنولوجيا، والخدمات المصرفية الرقمية، والمنصات الأكاديمية، مما يُفقر المعرفة الإنسانية برمتها .
نظرة إلى المستقبل: نحو نظام عالمي جديد للذكاء الاصطناعي
مع استمرار هذا السباق التكنولوجي، يبرز سؤال حاسم: كيف يمكن ضبط أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القرارات السيادية؟ ومن يملك حق السيادة على الخوارزميات التي قد تحكم مصير شعوب بأكملها ؟
تشير التوقعات إلى أن الدول التي ستستثمر في المهارات والقدرات الحاسوبية وأنظمة الحوكمة الرشيدة هي التي ستجني الثمار، بينما تواجه دول أخرى خطر التخلف الدائم عن الركب . كما أن صعود المنصات الإقليمية قد يعيد تشكيل التحالفات الدولية، حيث يفضل صناع القرار المنصات المتوافقة مع القيم المحلية والأطر التنظيمية، بدلاً من الاعتماد فقط على حجم بيانات التدريب .
في النهاية، يبقى مستقبل الذكاء الاصطناعي مرهونًا بقدرة المجتمع الدولي على تحويل هذه التكنولوجيا من أداة للإقصاء إلى وسيلة للتمكين والعدالة الرقمية للجميع.
__________
بقلم ا.د/ مجاهد الجبر - استاذ الذكاء الاصطناعي
رئيس الجامعة التخصصية الحديثة
