غرينلاند تحت الأنظار.. المصالح الأوروبية بين الردع الرمزي والتصعيد العسكري الفعلي
متابعات | الحديدة اكسبرس
السبت 17 يناير 2026
لم تعد غرينلاند ملفاً هامشياً على صعيد السياسة الدولية، بل تحوّلت خلال الأسابيع الأخيرة إلى إحدى أكثر بؤر التوتر حساسية في القطب الشمالي، مع تزايد الحضور العسكري الأوروبي، والخطاب الأميركي التوسعي في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي لا يكف عن ترديد رغبته في السيطرة على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي. ففي الوقت الذي تتحدث فيه العواصم الأوروبية عن "الردع" و"الدفاع عن وحدة كومنولث المملكة الدنماركية"، تشير التطورات الميدانية إلى عملية عسكرية واسعة النطاق لم تشهدها غرينلاند، وربما الدنمارك نفسها، منذ عقود.
بعض المراقبين الدنماركيين يحذرون من أن انفراط عقد هذا الكومنولث ربما يعيد إلى الأذهان خسارة الدنمارك في حروب مع الجيران مساحات من أراضيها، كما جرى مع السويد، وأخيراً في عام 1864 مع الجار الجنوبي الألماني، الذي اجتاح شبه جزيرة جوتلاند وفُرض على كوبنهاغن التنازل عن مساحات هي داخل الشمال الألماني اليوم، وتصل إلى حدود شمال هامبورغ. في المقابل تتعالى الأصوات المحذرة من أن السماح لترامب بالسيطرة على غرينلاند فمن المحتمل أن يقلده الروس ويتحركوا نحو جزيرة بورنهولم في بحر البلطيق، وهو ما تخشاه أيضاً السويد ودول البلطيق.
للقوى الأوروبية مصلحة واضحة في الحفاظ على الارتباط الدنماركي بغرينلاند، ليس فقط دفاعاً عن وحدة أراضي مملكة الدنمارك، بل أيضاً لضمان استمرار النفوذ الأوروبي في القطب الشمالي، وهي منطقة تتزايد أهميتها الجيوسياسية والاقتصادية مع ذوبان الجليد، وانفتاح ممرات بحرية جديدة، وتزايد الاهتمام بالموارد الطبيعية. في هذا السياق، نجحت الدنمارك في حشد عدد من الدول الأوروبية الصديقة لإجراء مناورات وتدريبات عسكرية في غرينلاند، ما أضفى طابعاً أوروبياً جماعياً على قضية مستقبل الجزيرة، بعد أن كانت تُطرح غالباً ضمن إطار ثنائي بين كوبنهاغن وواشنطن.
من القوة الناعمة إلى الوجود العسكري
تقليدياً، اعتمدت الدنمارك في إدارتها لجزيرة غرينلاند على أدوات القوة الناعمة، مثل الدعم المالي والتعاون الإداري والخطاب القائم على الشراكة داخل المملكة. غير أن هذا النهج بدأ يتغير بوضوح، مع انتقال تدريجي نحو استخدام أدوات القوة غير الناعمة. خلال الأيام الماضية، أصبح الانتشار العسكري الدنماركي في غرينلاند ملموساً، حيث شوهدت سفن حربية تجوب المياه المحيطة بالعاصمة نوك، بالتوازي مع إرسال مزيد من الجنود، بمن فيهم عناصر من قوات النخبة وفيلق "ييغر"، بكامل عتادهم. وهؤلاء هم من قوات النخبة المدربين على العمل في البيئة القطبية الشمالية الباردة، ولا يبدو أن إرسالهم سوى رسالة سياسية وليس لخوض معركة على الأرض مع القوات الأميركية.
»» ترامب يهدد بمعاقبة دول لا تدعم خطته لضم غرينلاند بفرض رسوم جمركية
✓ أطماع واشنطن في جرينلاند: اليورانيوم والمعادن النادرة وراء التصعيد // تقرير تحليلي
✓ فنزويلا | رودريغيز تؤكد وقوع "قتال" مع القوات الأميركية خلال عملية اختطاف مادورو
✓ مادورو… أسير حرب ومقاتل ضد الاستعمار
وضمن هذا الإطار، أعلنت ألمانيا إرسال فريق استطلاع مكوّن من 13 فرداً، بينما أرسلت فرنسا 15 جندياً، وتشارك كل من بريطانيا والنرويج والسويد وكندا وهولندا في الاستعداد لمناورات مشتركة تُقدَّم رسمياً بوصفها تدريبات استطلاع واختبار للقدرات في بيئة القطب الشمالي القاسية.
حشد عسكري غير مسبوق
لكن ما بدأ مناوراتٍ محدودةً، تطوّر سريعاً إلى عملية عسكرية واسعة النطاق. وما جرى خلال الأيام الماضية من نقل جنود ومعدات جواً إلى غرينلاند على متن طائرات نقل دنماركية وفرنسية وألمانية، يعد خطوة غير مسبوقة في تاريخ الدفاع الدنماركي لناحية كثافة النشاط العسكري، كما كانت سرعته غير مسبوقة أيضاً. فطائرات النقل من طراز "هيركوليز"، وغيرها تعمل على مدار الساعة تقريباً، وكذلك ناقلة الجنود والمعدات بين الدنمارك ومطاري نوك وكانغيرلوسواك.
العملية تبدو طويلة الأمد، تتجاوز البقاء لتدريبات نهاية الأسبوع، بل لأسابيع ربما، بالتزامن مع تحركات شعبية احتجاجية في نوك، منطلقة نحو القنصلية الأميركية لتوصيل رسالة واضحة إلى الأميركيين برفضهم الانصياع لرغبات ترامب السيطرة عليهم وعلى أرضهم.
ترامب عاملَ تسريع
لم تكن طموحات الرئيس الأميركي تجاه غرينلاند العامل الوحيد وراء هذا التصعيد، لكنها كانت العامل المُسرِّع. فتصريحات ترامب المتكررة عن ضرورة "سيطرة" الولايات المتحدة على غرينلاند، وادعاءاته بشأن وجود تحركات روسية وصينية، دفعت الأوروبيين إلى تجاوز الخطاب السياسي والتحرك ميدانياً. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن أن وحدات عسكرية فرنسية في طريقها بالفعل إلى غرينلاند، محذراً من "شكل جديد من أشكال الاستعمار يتبلور لدى البعض"، في رسالة واضحة وإن غير مباشرة إلى واشنطن.
رغم أن الهدف المُعلن للتحركات الأوروبية ليس مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، يشير الواقع الميداني إلى رفع الكلفة السياسية والعسكرية لأي خطوة أميركية أحادية. فالرسالة الموجهة إلى ترامب والرأي العام الأميركي مفادها أن غرينلاند ليست ساحة مفتوحة للمساومات الجيوسياسية.
في ما يخص قوى مثل فرنسا وألمانيا، يُعد الارتباط الدنماركي بغرينلاند الخيار الأمثل لحماية المصالح الأوروبية في منطقة يصعب الوصول إليها منفردة، وتشمل هذه المصالح الأمن العسكري، والبحث العلمي، والمناخ، والمواد الخام. على المستوى المحلي، بات الوجود العسكري جزءاً من المشهد اليومي في العاصمة نوك. جنود بملابس مموهة، وطائرات عسكرية في المطار، ومناورات لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في الشوارع.
أكدت حكومة غرينلاند ووزارة الدفاع الدنماركية أنهما تبذلان جهوداً لإطلاع السكان المحليين باستمرار على ما يجري، بهدف تجنب الصدمة الاجتماعية، وضمان تفهّم طبيعة الأنشطة العسكرية المتزايدة. وبالتوازي مع التصعيد العسكري، يتزايد الاهتمام السياسي والاقتصادي الأوروبي بغرينلاند. فميزانية الاتحاد الأوروبي المقبلة تقترح مضاعفة التمويل المخصص للجزيرة، كما طُرحت أفكار، وإن كانت معقدة، حول إعادة ربط غرينلاند بالاتحاد الأوروبي. لكن مراقبين يشيرون إلى فجوة واضحة بين الخطاب الأوروبي والاستثمارات الفعلية، إذ ما تزال معظم مشاريع التعدين واستخراج المواد الخام حبيسة النقاشات، باستثناء مساهمة أوروبية في تمويل بعض المناجم الهامة.
أخبار
تظاهرات في مدن دنماركية وعاصمة غرينلاند رفضاً لأطماع ترامب
في كل الأحوال، إعادة تسليط الضوء على غرينلاند أحيا الطموحات الأوروبية في القطب الشمالي، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً: هل يتحول هذا الاهتمام إلى شراكة تحترم سكان غرينلاند وبيئتهم، أم إلى فصل جديد من التنافس بين القوى الكبرى؟ إذا أحسنت الدنمارك وغرينلاند استثمار هذا الاهتمام، وتطوير علاقاتها سريعاً بالسكان فقد يشكل ذلك فرصة لتعزيز موقع الجزيرة سياسياً واقتصادياً، حتى برأي الناس العاديين في نوك الذين يفضلون استمرار العلاقة بكوبنهاغن. أما إذا اقتصر الأمر على رد فعل ظرفي على تصريحات ترامب، فقد تجد غرينلاند نفسها مرة أخرى في قلب صراع لا تُمسك بخيوطه.
المصدر | العربي الجديد
