أطماع واشنطن في جرينلاند: اليورانيوم والمعادن النادرة وراء التصعيد
كتب عبده بغيل ||الحديدة اكسبرس
الاربعاء 7يناير 2026
ما جرى في فنزويلا يتجاوز بكثير عناوين “مكافحة المخدرات” أو “استعادة الديمقراطية”، ليصل إلى جوهر الاطماع الامريكية في السيطرة على الموارد الاقتصادية. فالهجوم الأمريكي على الرئيس نيكولاس مادورو لم يكن سوى حلقة في مسارٍ أوسع تُستباح فيه سيادة الدول الغنية بالثروات تحت ذرائع أمنية فضفاضة، بينما يبقى النفط والمعادن هو الدافع الحقيقي خلف هذا التصعيد.
هذا المنطق نفسه، وإن اختلف المسرح، يطلّ اليوم برأسه في جرينلاند الدنماركية، حيث تتقاطع الأطماع الجيوسياسية الأمريكية والمواقع الاستراتيجية، في مشهد يؤشر إلى عودة صريحة لسياسات مناطق النفوذ.
وعندما يقول دونالد ترامب – بمتعة لا يكاد يخفيها – إن «كوبا جاهزة للسقوط»، أو يهدد رؤساء منتخبين في كولومبيا والمكسيك، أو يعلن صراحة: «نحن بحاجة إلى غرينلاند، بالتأكيد»… فهذه ليست زلات خطابية، بل إعلانات نوايا. نوايا لضم أكثر من مليوني كيلومتر مربع من أراضٍ أوروبية، هذه المرة في قلب القطب الشمالي.
تقع جزيرة جرينلاند في موقع جيوسياسي بالغ الحساسية، يجعلها بوابة القطب الشمالي ونقطة ارتكاز بين أمريكا الشمالية وأوروبا وروسيا. ومع ذوبان الجليد بفعل التغير المناخي، تتحول الجزيرة إلى مفتاح للسيطرة على ممرات ملاحية جديدة تختصر طرق التجارة العالمية والمجال الجوي والفضائي في شمال الأطلسي،
إلى جانب الموقع، تختزن جرينلاند ثروة هائلة من المعادن الاستراتيجية، في مقدمتها:
اليورانيوم، الذي يشكل عنصراً حيوياً في الصناعات النووية والطاقة والردع العسكري
المعادن الأرضية النادرة، الضرورية لصناعات التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والسيارات الكهربائية، وأنظمة التسليح الحديثة
في ظل الهيمنة الصينية على سلاسل توريد هذه المعادن، ترى واشنطن في جرينلاند فرصة ذهبية لكسر هذا الاحتكار وتأمين مصادر بديلة، حتى وإن كان الثمن هو الضغط على حليف أوروبي وتجاهل قواعد السيادة.
لقد تحوّلت السياسة الأمريكية خاصة بعد فشل عرض ترامب الشهير لشراء الجزيرة عام 2019، من منطق الصفقة إلى منطق الإكراه التدريجي حيث فتح قنصلية أمريكية في العاصمة نوك و
تقديم مساعدات مباشرة لحكومة جرينلاند المحلية في تجاوز متعمّد للدنمارك .
يرى مراقبون انه ومع عودة لغة التهديد العلني من قبل واشنطن اليوم لم يعد مستبعداً الخيار العسكري لاجتياح الجزيرة، وهو ما يفسر القلق الأوروبي المتصاعد. فان الاستيلاء الأمريكي على أرض دانماركية ذات سيادة لا يعني فقط أزمة دبلوماسية، بل يضع حلف الناتو نفسه أمام اختبار وجودي. فالحلف القائم على مبدأ الدفاع الجماعي يفقد معناه إذا كان أحد أركانه مستعداً لابتلاع أراضي حليف آخر بالقوة.
ومهما صدرت همهمات خافتة من لندن أو باريس أو برلين، فإن الرد الأوروبي الباهت – كما حدث في فنزويلا – قد يشجع واشنطن على المضي قدماً، لجتياح جزيرة جرينلاند ،ليبقى السؤال الأخطر هو إذا ابتُلعت الولايات المتحدة الامريكية جزيرة جرينلاند… فمن التالي؟

