مادورو… أسير حرب ومقاتل ضد الاستعمار
بقلم: أليكس أنفرونز
اقتباس | الحديدة اكسبرس
9 يناير 2026
في مشهد يعكس ازدواجية المعايير التي تحكم النظام الدولي، سارع قادة أنظمة تُقدّم نفسها كحارسة للديمقراطية، على غرار إيمانويل ماكرون وبنيامين نتنياهو، إلى الإشادة بالعدوان العسكري الأميركي الذي استهدف فنزويلا في الثالث من يناير، وأسفر عن مقتل المئات واختطاف الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو وزوجته السيدة الأولى، وعضوة الكونغرس، سيليا فلوريس. وفي المقابل، لم تُخفِ أطراف من المعارضة الفنزويلية ابتهاجها بالقصف الأميركي الذي طال كاراكاس ومناطق أخرى من البلاد.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يتردد في الاعتراف الصريح بأهداف العدوان، معلنًا أن العملية العسكرية، التي أطلق عليها اسم «العزم المطلق»، جاءت للاستيلاء على النفط الفنزويلي. وفي خطاب يكشف جوهر المشروع الإمبريالي، قال ترامب إنه أمر «شركاتنا النفطية الكبرى، الأهم في العالم، بالتوجه إلى هناك، واستثمار مليارات الدولارات، وإصلاح البنية التحتية النفطية المتضررة بشدة»، وذلك عقب اختطاف مادورو ومقتل 32 كوبيًا كانوا مكلفين بحماية الرئيس.
غير أن ما يبدو لترامب غنيمة سهلة، يرتبط في الوعي الفنزويلي بتاريخ طويل من السيادة والنضال. فالدولة الفنزويلية تشكّلت، تاريخيًا، بالتوازي مع نشوء صناعتها النفطية، منذ تأسيس شركة «بتروليا ديل تاشيرا» عام 1878، وهو ما يدركه جيدًا عمال شركة النفط الوطنية PDVSA، الذين يرون في النفط ركيزة للاستقلال لا سلعة للنهب.
ومع تصاعد لهجته التهديدية، أعلن ترامب أن على حكومة ما بعد مادورو الخضوع لشروطه، قائلًا: «إذا لم يتصرفوا بالشكل اللائق، فسنشن هجومًا ثانيًا». وفي خضم هذه الضغوط، تواجه الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز حربًا نفسية وإعلامية شرسة تهدف إلى التشكيك في ولاء قيادة الحزب الاشتراكي الموحد لفنزويلا. إلا أن رودريغيز أكدت، في 17 ديسمبر، أن «الحقبة التي كانت الولايات المتحدة تفرض فيها حكومات عميلة تُسلّم مواردنا الطاقية قد انتهت مع القائد هوغو تشافيز».
منذ أن أعلن باراك أوباما عام 2015 أن فنزويلا «تهديد غير عادي واستثنائي»، تتعرض البلاد لحرب متعددة الأشكال: حصار اقتصادي، عقوبات خانقة، ومحاولات دؤوبة لإسقاط الدولة من الداخل. وفي مواجهة ذلك، تبنت حكومة مادورو استراتيجية قائمة على السيادة الوطنية، معتبرة أن ثروات البلاد يجب أن تُسخّر لخدمة الشعب لا لجيوب الشركات العابرة للقارات. وقد جاء هذا العدوان العسكري بعد أن نجحت كاراكاس، رغم الصعوبات، في الصمود أمام واحدة من أقسى منظومات العقوبات في العصر الحديث.
العملية العسكرية الأميركية لم تكن، كما حاول الإعلام الغربي تصويرها، ضربة «جراحية دقيقة»، بل كانت فعلًا إجراميًا محسوبًا بعناية، هدفه الأساسي اختطاف الرئيس، لا خوض مواجهة شاملة قد تفجّر مقاومة شعبية واسعة. إلا أن الحسابات الأميركية أخطأت مرة أخرى؛ فبعد ساعات من القصف واختطاف مادورو، خرج مئات الآلاف من الفنزويليين إلى الشوارع مطالبين بعودة رئيسهم وزوجته، في مشهد أعاد التأكيد على عمق الالتفاف الشعبي حول الثورة البوليفارية.
لقد اعتقلوا ثوريًا، لكنهم لم ولن يتمكنوا من اختطاف أمة بأكملها. فمنذ فوز هوغو تشافيز في انتخابات عام 1998، وإطلاقه الجمعية التأسيسية وإعلانه أن «الشعب هو محرك التاريخ»، أصبح الشعب الفنزويلي هو الفاعل الرئيسي في مسار الثورة، لا مجرد متفرج على قرارات النخب.
ومع مثول مادورو أمام محكمة في نيويورك، تهاوت سريعًا الرواية الدعائية التي صوّرته كـ«زعيم منظمة إرهابية لتجارة المخدرات». فقد انكشفت التناقضات، واختُزلت الاتهامات الثقيلة إلى مزاعم فضفاضة عن «نظام زبائني» و«ثقافة فساد عامة»، دون تقديم أي دليل يثبت ارتباطه المزعوم بـ«كارتل الشموس»، ما يؤكد أن القضية برمتها ليست سوى افتراء سياسي.
التاريخ الاستعماري حافل بمحاولات كسر إرادة الشعوب عبر اغتيال قادتها أو سجنهم أو نفيهم. من عبد الكريم الخطابي الذي نُفي إلى جزيرة ريونيون عام 1926، إلى مهدي بن بركة الذي اعتُقل عام 1944، وصولًا إلى اختطاف قادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية عام 1956، لم تؤدِّ تلك الجرائم إلا إلى تأجيل حتمي لمسيرة التحرر، لا إيقافها.
نيكولاس مادورو ينتمي إلى هذا السجل التاريخي من المناضلين الذين تتحول معاناتهم إلى وقود يلهم الأجيال القادمة. فحملات التشويه التي استهدفت شخصه انقلبت على أصحابها، وأصبح العالم يدرك أن الرئيس الشرعي والدستوري لفنزويلا قد اختُطف بالقوة. واليوم، يطالب الشعب الفنزويلي، بثقة راسخة، بالإفراج عن نيكولاس وسيليا، مؤمنًا بأن عودتهما إلى الوطن مسألة وقت، وأن السيادة لا تُقصف ولا تُختطف.

