الحصار بالحصار: فشل استراتيجية الخنق في اليمن؟

 الحصار بالحصار: فشل استراتيجية الخنق  في اليمن؟


بقلم: موسى عباس |الحديدة اكسبرس الإخباري 



  سقوط أوهام الحسم وانكشاف الترتيبات العسكرية

اقرا ايضا:

كلفة التصعيد الباهظة: نصف مليار دولار خسائر يومية وانهيار استثماري يضرب العمق السعودي


لم تكن التطورات الميدانية الأخيرة مجرد جولة عابرة من جولات الصراع الممتد، بل شكلت إعلاناً صريحاً لسقوط أوهام الحسم العسكري وانكشاف هشاشة الترتيبات الإقليمية. إن تثبيت جماعة "أنصار الله" لسيطرتها الميدانية والتكتيكية على الشريط الساحلي المحاذي لمضيق باب المندب، بالتوازي مع ضربات الردع المتصاعدة التي دكّت مطارات الرياض والعمق السعودي، أثبتت أن منطق الاستكبار العسكري وسياسات الهيمنة لم تعد قابلة للصرف في الميدان. لقد فرضت صنعاء معادلة استراتيجية جديدة أطاحت بكل حسابات التحالف وأظهرت أن الاستمرار في هذه الحرب لن يجلب للرياض وأبوظبي وداعميهم في واشنطن وتل أبيب سوى المزيد من الاستنزاف والخسائر الباهظة.


أولاً: "الحصار بالحصار".. رادع صنعاء في وجه الغطرسة السعودية


إن اشتعال المعركة من جديد لم يكن حادثاً معزولاً، بل جاء نتيجة حتمية للإصرار السعودي والخليجي على مواصلة خنق الشعب اليمني عبر إغلاق المنافذ، وحظر المطارات والموانئ، ومحاولة انتزاع بالسياسة والحصار ما عجزوا عن تحقيقه بالسلاح:


تطبيق معادلة الحصار بالحصار: أمام التضييق المستمر والإصرار على خنق الموانئ والمطارات اليمنية، رفع اليمنيون شعار "الحصار بالحصار" كخيار ردع استراتيجي ومباشر. فنقلوا المواجهة فوراً إلى العمق السعودي، معلنين المجال الجوي والمطارات والموانئ السعودية مناطق عمليات غير آمنة.

شل الحركة في العمق السعودي: أظهرت الصواريخ الباليستية المسددة والطائرات المسيرة المتطورة التي استهدفت مطارات الرياض وأبها والدمام أن شبكات الدفاع الجوي الغربية الشاهقة التكلفة باتت عاجزة عن حماية البنية التحتية والمرفقية؛ ما أربك حركة الطيران وأصاب البيئة الاستثمارية التي تراهن عليها المشاريع الاقتصادية السعودية في الصميم.

فشل استراتيجيات الخنق والتفوق الجوي: أثبتت سنوات العدوان والحظر أن الترسانات الحديثة والطائرات الذكية لا يمكنها كسر إرادة شعب يدافع عن أرضه وسيادته، بل إن كل موجة تصعيد سعودية كانت تقابل بقفزة نوعية في قدرات التصنيع والردع لدى صنعاء.

ثانياً: الزلزال الاقتصادي وارتباك الملاحة الدولية


تتجاوز التداعيات حدود الجغرافيا الإقليمية لتصل إلى قلب النظام الاقتصادي العالمي، حيث أدى تموضع أنصار الله على مقربة من باب المندب إلى إرباك خطوط الملاحة والتجارة التي يتدفق عبرها شريان الطاقة الدولي:


قفزات التكاليف واختناق حركة الشحن: أدّى اضطراب حركة العبور عبر البحر الأحمر إلى إجبار شركات الشحن العالمية على استخدام طريق رأس الرجاء الصالح، مما أضاف أسابيع إلى مدة الرحلات ورفع كلفة الشحن والأنصبة التأمينية إلى مستويات قياسية.

ارتداد التضخم على القوى الغربية: ينعكس هذا الخلل الملاحي بصفة مباشرة على أسعار الطاقة والسلع الاستهلاكية عالمياً، ما يضغط على الاقتصادات الغربية ويضاعف كلفة التورط الأمريكي والإقليمي في هذه الحرب.

سلاح الموقع الاستراتيجي:  فيما لو نجحت صنعاء بالسيطرةًالكاملة على المضيق سيّمكنها من إمتلاك قدرة فعلية على فرض قواعد العبور في الممر المائي، وتوجيه الضغط الاقتصادي مباشرة ضد القوى المحاصِرة لها.

ثالثاً: حتمية الفشل لأي تحالف عسكري مستجد


إن المحاولات الجارية اليوم برعاية واشنطن لتشكيل اصطفاف أو حلف عسكري جديد ضد اليمن محكومة بالفشل المسبق، ولن تزيد المشهد إلا تعقيداً واستنزافاً لأطرافه:


انعدام فاعلية الردع الجوي: المعارك السابقة أوضحت بجلاء أن القصف المكثف لا يحسم معركة ضد قوات تمرست على حرب العصابات والتكيف الميداني، والاندفاع نحو ضربات جديدة لن تؤدي إلا إلى إفراغ المخزونات الصاروخية للتحالف دون تغيير الواقع على الأرض.

تناقض المصالح وتشتت الأهداف: تقف واشنطن بعجز أمام حماية الملاحة دون التورط في حرب برية مكلفة، بينما يرتعد الحلفاء الإقليميون من تلقي الضربات المباشرة في عمق منشآتهم ومطاراتهم، ما يجعل أي تحالف جديد مجرد تجمّع هش يفتقر للقدرة على الحسم.

رابعاً: انكسار مخططات الضغط على طهران عبر الساحة اليمنية


تتكسر الاستراتيجية الأمريكية والخليجية التي كانت تسعى لتطويق النفوذ الإيراني عبر تحييد الجبهة اليمنية؛ إذ أثبت الميدان أن اليمن أضحى مركز ثقل مستقل وقائم بذاته:


تشتيت الجهود الأمريكية: اشتعال جبهة شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر يُجبر واشنطن على بعثرة قدراتها العسكرية والاستخبارية حمايةً لحلفائها، ويفرغ حملات "الضغط الأقصى" الإقليمية من زخمها.

كلفة المواجهة الشاملة: تحوّلت صنعاء إلى رقم صعب يفرض تكاليف باهظة على الإدارة الأمريكية وحلفائها، ما يجعل أي مواجهة واسعة في المنطقة خياراً محفوفاً بالمخاطر الاقتصادية والعسكرية.

خامساً: الدور المباشر للكيان الصهيوني وسلطات الاحتلال


تتجلى أبعاد هذه الحرب أكثر عند قراءة الدور المنوط بسلطات الاحتلال في هذه المواجهة:


الخوف من قطع شريان الملاحة: يرى الكيان الصهيوني في التحكم اليمني بمضيق باب المندب تهديداً لميناء أم الرشراش (إيلات) ولحركة سفنه التجارية، ما دفعه للانخراط المكثف عبر التنسيق الاستخباري مع القيادة المركزية الأمريكية.

التحريض على الانخراط الأمريكي: تسعى سلطات الاحتلال الصهيوني لجر واشنطن للغوص عميقاً في المستنقع اليمني لتخفيف الضغط العسكري عن جبهاتها ولتوسيع دائرة الصراع الإقليمي.

الغطاء التقني المشترك: يُقدم الكيان الصهيوني أنظمة رصد وتجسس متقدمة للتحالف بهدف استهداف المسيرات والصواريخ، موجهاً بوصلته نحو حماية مصالحه الأمنية على حساب استقرار المنطقة.

سادساً: التفاوض الند للند أو الخسارة الأشد على التحالف


تؤكد كل شواهد الصراع الممتدة منذ اندلاع الحرب الأولى أنه لا مجال على الإطلاق لتحقيق أي انتصار عسكري على جماعة "أنصار الله". وإن أي مراهنة جديدة على القوة أو تحشيد التحالفات هي مجرد مكابرة ستكون خسارتها أشد وقعاً وأكثر إيلاماً على السعودية والإمارات وحلفائهما:


إنهاء الحصار والتخلي عن الأطماع: ينبغي على الرياض وأبوظبي الإدراك العاجل بأن أوهام الهيمنة والطمع في ثروات اليمن وموقعه السيادي قد انتهت إلى غير رجعة. والخطوة الأولى والوحيدة للخروج من هذا المأزق تبدأ برفع الحصار الكامل عن الموانئ والمطارات وإيقاف كافة أشكال العدوان.

الحل لن يتأتى بالقوّة: بل بجلوس أطراف التحالف مع صنعاء على طاولة تفاوض مباشرة، وباحترام كامل لسيادة اليمن وإرادة شعبه، وترك اليمنيين ليقرروا خياراتهم السياسية بحرية ودون تدخلات أجنبية.

إن المعادلة اليوم باتت جليّة ولا تحتمل المواربة: 


إن استمرار السعودية والإمارات في تحالفاتهما وهجماتهما وحصارهما لن يجلب لهما سوى انكسارات أشد وتداعيات أعمق على أمنهما واقتصادهما. لقد ولى زمن الاستكبار وفرض الشروط أحادية الجانب، وأصبحت الحقيقة الوحيدة المتبقية على الساحة هي أن الردع اليمني ثابت، وأن الخروج من هذا المستنقع يمر حصراً عبر كسر الحصار، والتراجع عن غرور القوة، وقبول التفاوض قبل أن تصبح كلفة الحرب أكبر بكثير مما يستطيعه التحالف وداعموه.

إرسال تعليق

0 تعليقات