رسالة من "الحديدة إكسبرس الإخباري ".. حين تغلق الخوارزميات صوت 15 عامًا من العمر
بقلم عبده بغيل |صحفي من صنعاء اليمن
الثلاثاء 4-8-2026
حين يصبح القرار الجاف قصة إنسانية
عندما ترى أمامك شاشة تقول لك: "تم قفل هذا الموقع" وتُمنح 89 يومًا فقط قبل الحذف الأبدي، فأنت لا تواجه مجرد إشعار تقني. أنت تواجه لحظة تختصر فيها 15 عاما من الكفاح اليومي، ومئات المقالات، وآلاف الصور، وقصص لا تُحصى لأناس وضعوا فيك ثقتهم. بل تواجه شعورًا بأن جزءًا من هويتك المهنية يُسلَب بضغطة زر.
لكن دعوني أطرح سؤالًا مباشرًا: هل تُغلق منصة مثل "بلوجر" موقعًا إخباريًا مستقلاً التزم طوال هذه السنوات بقضايا إنسانية ومجتمعية في اليمن ، لمجرد "مخالفة إرشادات" غامضة؟ أم أن هناك ما هو أعمق من ذلك؟
الخوارزميات لا تقرأ بين السطور
الحقيقة المؤلمة أن جوجل، بكل ما تملكه من ذكاء اصطناعي وخوارزميات متطورة، ليست مكلفة بفهم السياق الإنساني. هي مكلفة بتطبيق قواعد جامدة. قواعد تخلط بين الخبر المستقل والمحتوى المزعج، وبين الصورة الوثائقية والانتهاك المحتمل، وبين الرأي الحر والتحريض. هي آلة لا تفرق بين صحفي شجاع ومخرب، وهذا هو العيب الجوهري في احتكار المنصات الرقمية لبوابة النشر.
بالتأكيد انه اضطهاد مقصود لكنه وعنف هيكلي ضد الإعلام المستقل. عنف يمارس باسم "السياسة"، لكنه في جوهره سياسة اقتصادية بحتة: المحتوى المربح و المريح يُكافأ، والمحتوى الحرّ المُزعج يُقفل.
ماذا يعني إغلاق "الحديدة إكسبرس الاخباري" تحديدًا؟
هذا الموقع ليس مجرد نافذة على مدينة الحديدة أو اليمن . هو شاهد على معاناة، وسجل حي للأحداث، ومنبر لمن لا صوت لهم. 15 عامًا من التوثيق خلال الحرب والعدوان على اليمن، وأزمات، ونزوح، وجوع، وأمل. إغلاقه ليس خسارة لصاحبه فقط، بل خسارة للتاريخ الحي لمدينة بأكملها. فمن سيوثق الغد إذا تم محو الأمس؟
وهنا يتجلى السؤال الأخلاقي: أين دور هذه الشركات العملاقة في حماية الإرث الإنساني، بدلاً من حماية نفسها من أي التباس قانوني؟
الحل ليس في الزر، بل في الاستقلال
نعم، اضغط على زر "طلب إجراء مراجعة". لكن لا تعلّق عليه آمالًا كبيرة. الردود غالبًا ما تكون آلية، وقد تأتي متأخرة أو غير مقنعة، والحل الجذري هو في بناء منزلك الرقمي الوطني الخاص والانتقال إلى استضافة خاصة ونظام مفتوح المصدر لا يؤمن بجشع الأموال أو تقويض الحريات.
هذه الحلول أو الخطوات التقنية، تعلن الاستقلال عن وصاية المنصات و هي رسالة بأن الكلمة الحرة لا تُشترى ولا تُغلَق.
أخيرا : القلم أقوى من الخوارزمية
موقع "الحديدة إكسبرس"، ليس صوتا، وحقيقة، وذاكرة فقط بل ارث صحفي وتدويني ومقالي ، وقرار جوجل لن يكسر أقلامنا وارواحنا المناضلة سوف ننهض من جديد، بقوة أكبر، واستقلالية أوسع حتى لو حُذفنا من كل خوادم الدنيا اجمع.
