السحر والشعوذة في العراق: ظاهرة اجتماعية بأبعاد سياسية عميقة
كتب عبده بغيل || الحديدة اكسبرس الاخباري
الاثنين 20-7-2026
![]() |
| السحر والشعوذة في العراق: ظاهرة اجتماعية بأبعاد سياسية عميقة |
ليس انتشار السحر والشعوذة في العراق مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل هو مرآة تعكس أزمات دولة بأكملها. يتجلى في هذه الممارسات تفاعل معقّد بين انهيار المؤسسات، وضعف الدولة، وأزمة الثقة، واستغلال الخرافات كملاذ نفسي واجتماعي في ظل عقود من العنف وعدم الاستقرار.
الجذور الاجتماعية: من الفقر إلى الفراغ الروحي
تتغذى الظاهرة على عوامل اجتماعية واقتصادية متراكمة. ففي بلد يعاني من بطالة مزمنة وخدمات صحية متداعية، يتحول السحرة إلى بديل رخيص عن الأطباء والمعالجين النفسيين. يشير تقرير إلى أن عدد المعالجين الروحيين في بغداد تجاوز عدد الأطباء، في مؤشر صارخ على هشاشة النظام الصحي وغياب الوعي العلمي . وتشير دراسة ميدانية إلى أن ربات البيوت والشابات دون الثلاثين هن الفئات الأكثر تعرضاً لمحتوى السحر في الدراما، مما يعكس هشاشة الفئات الأكثر تهميشاً وضعفاً في مواجهة هذه الظاهرة .
لكن الأبعاد الاجتماعية أعمق من ذلك. ففي مجتمع محافظ، يحمل اللجوء إلى الطب النفسي وصمة عار كبيرة، بينما يقدّم السحرة حلولاً "مشروعة" ثقافياً لمشاكل الزواج والعقم والاكتئاب. وقد وجدت دراسة أن غالبية من يلجؤون للسحر يفعلون ذلك بدافع الانتقام، أو الحقد، أو الغيرة، مما يشير إلى أن الظاهرة ليست مجرد جهل، بل تعبير عن أزمات نفسية واجتماعية كامنة .
الفراغ القانوني وسياسة الاحتيال
تكمن المفارقة الأكبر في الموقف القانوني من السحر. فالقانون العراقي لا يعتبر السحر جريمة مستقلة، بل يُعالج تحت مادة الاحتيال (456)، التي تعاقب من يستغل عقائد الناس في السحر لتحقيق كسب مالي بالسجن حتى خمس سنوات . هذا التجريم غير المباشر يعكس إشكالية: الدولة تعترف بوجود الظاهرة كجريمة، لكنها تتجنب الاعتراف بشرعية الخوف منها أو بجدية تأثيرها، مما يضعها في منطقة رمادية بين الجريمة والخرافة.
ويدعو باحثون قانونيون إلى ضرورة تجريم السحر كممارسة قائمة بذاتها، نظراً لخطورة آثارها الاجتماعية والنفسية التي تتجاوز مجرد الاحتيال المالي . هذا الفراغ التشريعي يمنح السحرة مساحة للعمل بهدوء، ويجعل ملاحقتهم قضائياً رهناً بإثبات الاحتيال، وهو أمر صعب حين يكون الضحية مؤمناً بصدق "العلاج" الذي يتلقاه.
البعد السياسي: دولة تائهة بين المواجهة والتواطؤ
تتجاوز الظاهرة الأبعاد الاجتماعية إلى قلب المشهد السياسي. تشير تقارير إلى أن زبائن السحرة لا يقتصرون على الفقراء والجهّال، بل يشملون مسؤولين حكوميين كبار، وضباطاً عسكريين، وحتى سياسيين يخشون الاغتيال أو يبحثون عن النفوذ . يروي أحد السحرة، المعروف بـ"أبو الكرز"، أنه يبيع خرزاً يدعي حمايته من الرصاص لزبائن من صفوف الجيش والبرلمان، بسعر قد يتجاوز الألف دولار للخرزة الواحدة .
وهذا يكشف عن بعد سياسي خطير: وجود قادة ومسؤولين يؤمنون بالسحر ويستعينون به يعني أن قرارات الدولة قد تتأثر بعوامل غير عقلانية، وأن مكافحة الظاهرة ستظل سطحية طالما أن بعض من يديرونها هم زبائن لهذه الممارسات. وقد لاحظ مراقبون أن الحملات الأمنية، رغم جديتها أحياناً، تواجه صعوبة في استئصال الظاهرة لأنها تصطدم بطبقة سياسية ونافذة تعتمد على هذه الخدمات .
الأقليات ضحية إضافية
يثير ارتباط السحر بطائفة الصابئة المندائيين بعداً إنسانياً مقلقاً. فالصابئة، وهم أقلية دينية صغيرة في العراق، يتعرضون للتمييز والاتهام المباشر بممارسة السحر والشعوذة بسبب معتقداتهم وارتباطهم التاريخي بهذه الممارسات في المخيال الشعبي . هذا الاتهام يجعلهم هدفاً للابتزاز والعنف من الجماعات المتطرفة والعصابات الإجرامية، في حلقة مفرغة حيث يصبح الانتماء الديني وصمة ومبرراً للاضطهاد.
السحر كسياسة: انعكاس لفشل الدولة
في التحليل النهائي، يمكن قراءة ظاهرة السحر في العراق كاستعارة سياسية. فالدولة التي تفشل في توفير الأمن والعدالة والخدمات الأساسية، تخلق فراغاً تمتلئه الخرافات والإشاعات. وقد زادت سنوات الحرب والعنف التي أعقبت عام 2003 من هذا التوجه، إذ يعيش العراقيون في حالة من انعدام الأمن الوجودي تجعلهم يتشبثون بأي أمل، مهما كان غير عقلاني . كما أن انهيار التعليم وهجرة الأطباء والمختصين عمّقا الأزمة، فحلّ السحرة والمعالجون الروحيون محل المؤسسات في تقديم "الحلول" .
الخلاصة: إن انتشار السحر والشعوذة في العراق ليس مجرد تخلف ثقافي، بل هو عرض مرَضي لدولة منهكة، ومؤشر على فشل المؤسسات في القيام بوظائفها الأساسية. معركة الدولة ضد السحرة، كما تُعلنها وزارة الداخلية، هي في جوهرها معركة ضد الجهل والفقر والتفكك الاجتماعي، لكنها لن تنجح دون معالجة الجذور السياسية والاقتصادية التي تدفع العراقيين إلى أحضان الدجالين. الظاهرة تذكير مؤلم بأن الخرافة تزدهر حيث تفشل الدولة، وأن إعادة بناء الثقة بالمؤسسات هي الترياق الحقيقي لهذا الداء المزمن.
