تحليل فشل الحملة الإسرائيلية-الأمريكية ضد إيران: الأسباب والنتائج
الحديدة اكسبرس|| تقارير
27 يونيو 2025
مقدمة: مكاسب تكتيكية لا ترتقي لنصر استراتيجي
لا يمكن إنكار أن إسرائيل حققت مكاسب تكتيكية مهمة في الأيام الأولى من حملتها العسكرية المدعومة أمريكيًا ضد إيران. تمكنت من اغتيال عدد من القيادات العسكرية والعلماء النوويين الإيرانيين، بالإضافة إلى استهداف منشآت نووية حساسة. يمكن اعتبار تأخير البرنامج النووي الإيراني لعدة أشهر أو حتى سنوات أبرز إنجاز إسرائيلي في هذه الحملة، حيث ستحتاج طهران الآن فترة معتبرة لإعادة بناء ما تم تدميره وإعادة البرنامج إلى النقطة التي وصل إليها قبل الهجوم.
لكن هذه المكاسب، على الرغم من أهميتها، لا ترقى إلى مستوى "نصر استراتيجي"، وهو الهدف الذي كان يطمح إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عندما قرر خوض هذه الحرب. منذ البداية، أوحى نتنياهو بأن هدف الحملة يتجاوز تدمير البنية التحتية النووية، ليشمل إنهاء مشروع تخصيب اليورانيوم داخل إيران، والقضاء على برنامجها الصاروخي، وربما إسقاط النظام في طهران، الذي يعتبره نتنياهو حجر الزاوية في كل ما تعتبره إسرائيل تهديدًا وجوديًا.
النتائج: أهداف استراتيجية لم تتحقق وتعزيز للموقف الإيراني
لم يتحقق أي من هذه الأهداف الاستراتيجية. على الرغم من الضربات المؤلمة، استمر تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية، وربما بوتيرة أسرع وأكثر عنادًا من السابق. كما اكتسب البرنامج الصاروخي الإيراني مصداقية أكبر في نهاية الحرب، حيث أثبت قدرته على الوصول إلى العمق الإسرائيلي وإدخال غالبية المجتمع الإسرائيلي إلى الملاجئ.
والأسوأ من ذلك كله بالنسبة للمحور الأمريكي-الإسرائيلي هو أن خيار المفاوضات أصبح أكثر تعقيدًا. فالحرب التي طالما لوحت بها إسرائيل وأمريكا كورقة ضغط على طهران، جرى استخدامها فعليًا، لكنها لم تنجح في كبح طموحات إيران النووية. النتيجة؟ تشكك متزايد من طهران في أي مفاوضات مستقبلية، ما دام الطرف الآخر قد أظهر استعداده لاستخدام القوة دون القدرة على الحسم.
أما النظام الإيراني، الذي توقع البعض سقوطه أو زعزعته تحت وطأة الضربات، فقد بدا أكثر تماسكًا مما ظن كثيرون. بل شهد المشهد السياسي الداخلي الإيراني تماسكًا لافتًا، حيث التف حتى بعض أطياف المعارضة في الداخل والخارج حول النظام في لحظة مواجهة خارجية، مما عزز من شرعيته الوطنية وأضعف آمال خصومه.
من الناحية الأمنية، تراجعت نظرية "الردع الإسرائيلي" التي لطالما شكلت ركيزة العقيدة الأمنية للدولة العبرية. فقد بات واضحًا أن الصواريخ الإيرانية قادرة على الوصول إلى العمق الإسرائيلي، من شمال البلاد حتى جنوبها، مما أثبت أن إيران قادرة على تهديد الأمن القومي الإسرائيلي بشكل مباشر. هذا تطور نوعي لا يمكن تجاهله.
تجلّى الفشل الإسرائيلي بأوضح صوره في قرار وقف إطلاق النار بعد 12 يومًا فقط. إسرائيل، التي صمّت آذانها لعامين أمام الدعوات الدولية لوقف عدوانها على غزة، لم تحتمل أسبوعين من الصواريخ الإيرانية، مما يكشف أن الحملة لم تحقق أهدافها، وإلا لاستمرت لشهور أو حتى سنوات.
الأسباب الرئيسية لفشل الحملة
هناك ثلاثة أسباب رئيسية تفسر فشل الحملة الإسرائيلية-الأمريكية ضد إيران:
غياب الرؤية الواضحة: لم يكن هناك اتفاق واضح بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن الأهداف الاستراتيجية للحرب، على عكس ما حدث في غزو العراق عام 2003، حيث كانت الرؤية الأمريكية صريحة: إسقاط نظام صدام حسين. أما في الحالة الإيرانية، فتذبذب الموقف بين وقف تخصيب اليورانيوم، تدمير البرنامج النووي، القضاء على البرنامج الصاروخي، وربما إسقاط النظام، دون إجماع فعلي حول الأولويات والوسائل.
ارتباك المنهجية: تراوحت المنهجية بين استخدام القوة العسكرية والعودة إلى طاولة المفاوضات. وقد أضعف هذا التردد فاعلية الخيارين. في حين لعبت الدبلوماسية في العراق دورًا مكملاً للعمل العسكري، هنا حصل العكس. راهن ترامب على أن الخيار العسكري من إسرائيل سيجبر إيران على توقيع الاتفاق على طاولة التفاوض، ولكن استخدام السلاح أضعف الثقة الضرورية لإنجاح أي مسار تفاوضي، خصوصًا من الجانب الإيراني، كما أن أمريكا استنفدت الخيار العسكري الذي طالما هددت به.
محدودية الموارد: خصصت الولايات المتحدة أكثر من 150 ألف جندي ومئات المليارات من الدولارات لغزو العراق عام 2003، وأسقطت النظام خلال أشهر. أما في الحالة الإيرانية اليوم، فالحرب خاضتها إسرائيل مع دعم أمريكي محدود، في ظل إدارة ترامب التي تتبنى أجندة اقتصادية قائمة على خفض الإنفاق الخارجي. ببساطة، لم تكن هناك موارد كافية لحرب بهذا الحجم.
خلاصة: القوة العسكرية لا تكفي وحدها
في الختام، يمكن القول إن الحملة الإسرائيلية-الأمريكية على إيران لم تحقق أهدافها الاستراتيجية. قد تكون أخرت المشروع النووي الإيراني، لكنها لم توقفه، ولم تسقط النظام، ولم تنهِ تخصيب اليورانيوم، ولم تأخذ إيران إلى بيت الطاعة الدبلوماسي. بل على العكس، أثبتت طهران قدرتها على الرد، وعززت معادلة ردع في الإقليم.
ليست القوة العسكرية، مهما كانت دقيقة ومؤلمة، بديلاً عن الرؤية السياسية الواضحة، والمنهجية المتماسكة، والموارد الكافية. ودون هذه العناصر الثلاثة، قد تنتهي أي حرب، حتى وإن بدأت بيد من حديد، بهدنة مفروضة عاجزة عن تحقيق الأهداف الاستراتيجية للتدخل العسكري التي طالما حلم بها نتنياهو.
المصدر: وكالات انباء ، مواقع اخبارية
