التحولات السياسية والاقتصادية في البرازيل: قراءة في مسيرة لولا دا سيلفا وسياسته الخارجية

التحولات السياسية والاقتصادية في البرازيل: قراءة في مسيرة لولا دا سيلفا وسياسته الخارجية (2002–2026)

موسى عبّاس|الحديدة إكسبرس الإخباري 

31=10= 2026


 "دور القيادات العمالية في صياغة سياسات الجنوب العالمي: لولا دا سيلفا نموذجاً"


كيف تحول عامل فقد إصبعه في مصنع إلى أب للفقراء وقائد لحلف الجنوب العالمي وضد الإبادة في غزة؟

ملحمة الصمود والكرامة: السيرة الشاملة للرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا

تُعدّ مسيرة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا واحدة من أكثر السير الذاتية إلهاماً ودراماتيكية في تاريخ السياسة الحديثة. إنها ليست مجرد قصة رجل صعد من خط الفقر المدقع إلى سدة الحكم في واحدة من أكبر اقتصادات العالم، بل هي تجسيد لنضال الطبقة العاملة، والتحول الديمقراطي، والوقوف الصلب في وجه الهيمنة والاستعمار.


أولاً: جذور الفقر والطفولة المسلوبة (1945 – 1963)

1. المولد والنزوح الكبير:


وُلد لولا في 27 أكتوبر 1945 في قرية كايتس التابعة لمدينة غارانهونس بولاية بيرنامبوكو النامية بشمال شرق البرازيل. نشأ في عائلة معدمة مكونة من أمه" دونا ليندو" وثمانية أطفال، بعد أن هجر الأبُ العائلة ورحل إلى ساو باولو قبيل ولادة"لولا".


في عام 1952، وتحت وطأة الجوع والتنكيل الاقتصادي، اتخذت الأم قراراً مصيرياً باللحاق بالأب. قَطَعَت العائلة البرازيل في رحلة شاقة استغرقت 13 يوماً داخل مؤخرة شاحنة بضائع متهالكة ومفتوحة تُسمى "باو دي أرارا" لتستقر في ضواحي مدينة ساو باولو الصناعية.


1. التخلي عن الدراسة وبداية العمل المبكر:


لم يتمكن لولا من نيل قسط كافٍ من التعليم النظامي؛ إذ ترك المدرسة في الصف الخامس الابتدائي ليساعد أسرته في تأمين قوت اليوم:


• عمل مُلَمِعاً للأحذية في شوارع ساو باولو وهو في سن العاشرة.


• بائعاً متجولاً للفاكهة والمشروبات في أزقة المدينة.


• عامل مراسلات (صبي خدمة) في سن الثانية عشرة.


وفي عام 1960، حصل على أول وظيفة رسمية له في مصنع لمعالجة النحاس، ثم التحق بالخدمة الوطنية للتعلم الصناعي (SENAI)، حيث درس "الخراطة وتشكيل المعادن".


ثانياً: معترك المصانع وتجربة الألم المفصلي (1964 – 1974)

1. الحادث الذي غيّر مجرى حياته:


في عام 1964، أثناء عمله في وردية ليلية بمصنع لقطع غيار السيارات، تعرض لولا لحادث أليم عندما سقطت مخرطة صلب حادة على يده اليسرى. وبسبب الإهمال الطبي والانتظار الطويل في المستشفيات، تعفن إصبعه الخنصر وأُبتر تماماً وهو في سن التاسعة عشرة.


1. الفقد الفاجع والتحول الوجداني


ضربته الحياة في الصميم عام 1971 عندما توفيت زوجته الأولى إثر إصابتها بالتهاب الكبد الوبائي وهي في الشهر الثامن من الحمل، حيث توفي الجنين أيضاً لعدم توفر الرعاية الصحية الأساسية. كانت هذه المأساة بمثابة شرارة أوقدت في نفسه الوعي بغياب العدالة الاجتماعية.


ثالثاً: الشعلة النقابية ومواجهة الديكتاتورية (1975 – 1980)

1. قيادة نقابة عمال المعادن


انضم لولا إلى نقابة عمال المعادن في "ساو برناردو دو كامبو"، وبرز سريعاً بفضل فصاحته، ليتولى عام 1975 رئاسة النقابة التي كانت تضم أكثر من 100 ألف عامل.


1. الإضرابات التاريخية والاعتقال


بين عامي 1978 و1980، وفي أوج الحكم العسكري المستبد، قاد لولا سلسلة من الإضرابات العمالية الشاملة التي شلت الصناعة في ساو باولو. رداً على ذلك، أُلقي القبض عليه عام 1980 وزُجّ به في السجن بموجب قانون الأمن القومي.


رابعاً: تأسيس حزب العمال والطريق الشاق إلى السلطة (1980 – 2002)

1. ميلاد حزب العمال (PT)


في 10 فبراير 1980، قاد لولا مجموعة من النقابيين والمثقفين لتأسيس حزب العمال، الذي نبع من القاعدة الشعبية والعمالية مباشرة.


1. الفوز التاريخي عام 2002


بعد ثلاث محاولات رئاسية غير موفقّة، أطلق لولا رسالة إلى الشعب البرازيلي لطمأنة الأسواق، وفاز بالرئاسة في أكتوبر 2002 محققاً انتصاراً كبيراً للطبقات الفقيرة.


خامساً: الحقبة الرئاسية الذهبية (2003 – 2010)

شهدت البرازيل خلال ولايتيه الأولى والثانية تحولاً اقتصادياً واجتماعياً هائلاً:


• برنامج بولسا فاميليا (Bolsa Família): نظام تحويلات نقدية مشروطة أخرج أكثر من 36 مليون برازيلي من الفقر المدقع.


• برنامج الجوع صفر (Fome Zero): توفير الأمن الغذائي ومياه الشرب لملايين الأسر في المناطق الجافة.


• النمو الاقتصادي: سداد كامل ديون صندوق النقد الدولي وتحقيق اكتفاء ذاتي من النفط.


سادساً: سنوات الجَمْر.. المرض والسجن والنهوض السياسي (2011 – 2022)

بعد انتهاء ولايتيه، انتصر على مرض السرطان، لكنه تعرض عام 2018 لسقوط قضائي مُسَيّس ضمن تحقيقات غسيل السيارات، أُلقي على إثره في زنزانة انفرادية لمدة 580 يوماً. وفي عام 2021، أبطلت المحكمة العليا جميع الأحكام ليعود بقوة ويفوز برئاسة البرازيل مجدداً عام 2022.


سابعاً: الرؤية الخارجية والسياسة العالمية:

مناهضة الهيمنة ونصرة القضايا العادلة


تبنى لولا دا سيلفا، عبر تاريخه السياسي والدبلوماسي، رؤية متكاملة تقوم على تعددية الأقطاب، التضامن مع دول الجنوب، والوقوف الحاسم ضد الظلم والعدوان العسكري في الساحة الدولية:


1. تَجَمُع "البريكس"وإصلاح النظام العالمي


يُعد لولا أحد الآباء المؤسسين لتكتل بريكس (BRICS)، ويدفع باستمرار نحو:


• إيجاد آليات تجارية بالعملات المحلية لتقليل الهيمنة المطلقة للدولار الأمريكي.


• توسيع عضوية التكتل لتضم الدول النامية المؤثرة.


• إصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية (مجلس الأمن وصندوق النقد والبنك الدوليين) لتكون أكثر عدالة وإنصافاً لدول الجنوب.


1. الموقف الشجاع من حرب الإبادة في قطاع غزة وتفاصيل الأزمة الدبلوماسية


سجل لولا أحد أقوى وأجرأ المواقف الدولية المنددة بجرائم الكيان الصهيوني في قطاع غزة، متحملاً تبعات أزمة دبلوماسية تاريخية:


• تصريحات أديس أبابا: في فبراير 2024، أعلن لولا صراحة أن ما يرتكبه جيش الاحتلال الصهيوني في غزة ليس حرباً بين جيشين، بل إبادة جماعية منظمة ضد النساء والأطفال، مشبهاً ممارسات حكومة الاحتلال بجرائم النازية ضد اليهود.


• التصعيد ورد الفعل الصهيوني: سارعت سلطات الاحتلال لإعلان لولا شخصاً غير مرغوب فيه واستدعت السفير البرازيلي لتوبيخه علناً في نصب "ياد فاشيم"، فرد لولا بسحب السفير البرازيلي من تل أبيب واستدعاء سفير الاحتلال في برازيليا وتوبيخه.


• الاستقطاب المحلي والدولي: واجه لولا محاولات عزل برلمانية من المعارضة اليمينية المدعومة من الإدارة الأمريكية ومن الصهيونية العالمية وحلفاء "بولسونارو"الموالي لأمريكا ، لكنه حظي بتأييد واسع من حزبه والشارع البرازيلي، إضافة إلى مساندة قوية من دول الجنوب العالمي (مثل كولومبيا وفنزويلا والاتحاد الأفريقي)، في مقابل انتقادات غربية.


• الخطوات العملية: رفض لولا تقديم أي اعتذار للكيان الصهيوني، وأقر تجميد الصفقات العسكرية والأمنية مع شركات الاحتلال، وواصل المطالبة بوقف العدوان ورفع الحصار وإقامة الدولة الفلسطينية.


1. قيادة الحشد اللاتيني لدعوى الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية


أرسى لولا دعائم حلف لاتيني صلب لدعم قضية جنوب أفريقيا ضد الكيان الصهيوني أمام محكمة العدل الدولية (ICJ):


• الدعم القانوني البرازيلي: أعلنت البرازيل تأييدها الكامل للدعوى، وقررت تقديم إعلان تدخل رسمي بموجب المادة 63 للانضمام كطرف ثالث متضامن يثبت أركان الإبادة الجماعية.


• تضامن القطب اللاتيني: تحركت دول المنطقة بالتوازي؛ حيث كانت كولومبيا (برئاسة غوستافو بيترو) أول دولة لاتينية تقدم طلب تدخل رسمي وتتبع ذلك بقطع العلاقات وحظر تصدير الفحم والصلب للاحتلال، بينما أعلنت بوليفيا ونيكاراغوا و(فنزويلا قبل اعتقال الرئيس مادورو) قطع العلاقات وتقديم المذكرات القانونية الداعمة للمحكمة.


• الضغط الدولي: ساهم هذا الحشد اللاتيني في تحويل قرار التدابير الاحترازية إلى أداة لتعرية الرواية الاستعمارية وتأسيس لغة قانونية جديدة تُحاصر الجريمة.


1. رفض الهيمنة ومناهضة العدوان على إيران


ينتهج لولا مبدأ عدم الانحياز النشط ويرفض فرض السيطرة العسكرية الغربية والصهيونية على الشرق الأوسط:


• أدان بوضوح التهديدات والضربات العسكرية والعمليات الأمنية التي تستهدف السيادة الإيرانية والمنشآت الحيوية.


• انتقد العقوبات الأمريكية الأحادية الجانب، مستحضراً دوره التاريخي عام 2010 (إعلان طهران) في محاولة إيجاد حلول دبلوماسية سلمية تمنع انفجار المنطقة.


. فنزويلا: رفض القرصنة الأمريكية واعتقال مادورو وعمل على التوازن بين الدفاع عن السيادة ومتطلبات الشفافية والحرص على الاستقرار الإقليمي:• طالب بالشفافية الكاملة ونشر وثائق الاقتراع في الانتخابات الفنزويلية، رافضاً الانجرار خلف الانحياز الأعمى، ومفضلاً دور الوسيط البناء لحل الأزمات الحدودية والإنسانية.


ثامناً: الولاية الرابعة التاريخية والتحديات الراهنة (2026 وما بعدها)

في تحول أسطوري يعكس عمق ثقة الشعب البرازيلي برجل يشبههم ويحمل ندوبهم، فاز لولا دا سيلفا بولاية رابعة تاريخية في 26 أكتوبر 2026، متفوقاً على خصومه بحصوله على أكثر من 64 مليون صوت، ليصبح أكبر رئيس سناً في تاريخ البرازيل (سيتولى منصبه في يناير 2027 بعمر 81 عاماً).


واليوم، يواصل لولا معركته الكبرى في حماية بيئة الأمازون، والقضاء التام على ما تبقى من شبح الجوع، مؤكداً جملته الخالدة:


"إذا كان الشعب جائعاً في نهاية ولايتي، فأنا فشلت حتى لو نجح الاقتصاد."


تُقدّم تجربة لولا دا سيلفا نموذجاً قارياً ودولياً لدور القيادات القادمة من الحركات الاجتماعية في إعادة صياغة موازين القوى الدولية. فقد ساهمت استراتيجيته القائمة على تعزيز تكتل "البريكس"، وتنويع الشراكات الاقتصادية، وتبني مواقف حازمة تجاه قضايا العدالة الدولية — وفي مقدمتها القضية الفلسطينية — في ترسيخ موقع البرازيل كفاعل أساسي في إعادة تشكيل هيكلية النظام الدولي، والانتقال به نحو تعددية قطبية أكثر توازناً وانحيازاً لقضايا الجنوب العالمي

إرسال تعليق

0 تعليقات