ماذا لو تلافينا الخطر؟

  ماذا لو تلافينا الخطر؟

شمسان اليفاعي |الحديدة اكسبرس الإخباري 

الجمعة 9=10=2026 



في بيوت كثيرة، ثمة مقعد خال، وصوت غاب، وحنين إلى أم أو أخت أو زوجة رحلت بعد معاناة مع سرطان الثدي. وخلف بعض هذه الحكايات المؤلمة خوف طويل، وصمت أثقل من الوجع، وتأخر في طلب العلاج، ربما لأن المرض ارتبط في أذهان كثيرين بفكرة النهاية، حتى أصبح مجرد الحديث عنه يثير الرعب.


لكن ماذا لو تغيرت هذه الصورة؟ ماذا لو أدركنا أن سرطان الثدي ليس حكما محتوما بفقدان الحياة، وأن اكتشافه مبكرا وبدء العلاج المناسب يمنحان المرأة فرصا أفضل للتعافي؟ وماذا لو أصبحت المعرفة أقوى من الخوف، والمساندة أقوى من الصمت؟


من هنا تأتي أهمية الحملة الوطنية الثالثة عشرة للتوعية بسرطان الثدي، التي ينظمها صندوق مكافحة السرطان تحت شعار «الوعي حماية»، لتصل رسالتها إلى كل بيت، وتؤكد أن حماية صحة المرأة مسؤولية إنسانية ومجتمعية مشتركة.


وسرطان الثدي مرض يحدث عندما تنمو خلايا غير طبيعية في أنسجة الثدي بصورة خارجة عن السيطرة، وقد تتشكل منها أورام يمكن أن تنتشر إذا لم تعالج. وتزداد احتمالات الإصابة مع التقدم في العمر، كما ترتبط بعوامل أخرى، منها التاريخ العائلي، وبعض التغيرات الوراثية، والسمنة، والتدخين، والعوامل الهرمونية والإنجابية. ومع ذلك، فقد تصاب به نساء لا تتوافر لديهن عوامل خطر واضحة، ولذلك يبقى الوعي مهما لكل امرأة.


ويمكن لبعض السلوكيات الصحية أن تسهم في تقليل احتمالات الإصابة، مثل المحافظة على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والابتعاد عن التدخين. كما ترتبط الرضاعة الطبيعية بانخفاض خطر الإصابة. غير أن هذه الممارسات، على أهميتها، لا تمنح حماية مطلقة، ولهذا ينبغي أن يظل الانتباه إلى صحة الثدي جزءا من اهتمام المرأة بصحتها.


وفي واقعنا اليمني، قد تصبح رحلة الوصول إلى الرعاية الصحية أكثر صعوبة، خصوصا في المناطق الريفية. فقد تلاحظ امرأة كتلة صغيرة أو تغيرا غير مألوف في ثديها، لكنها تتردد في الحديث عنه، إما حياء، أو خوفا من النتيجة، أو بسبب بعد المرافق الصحية وضيق الحال. وتمضي الأيام وهي تقنع نفسها بأن الأمر بسيط، وربما تنتظر ظهور الألم حتى تطلب المساعدة، مع أن بعض التغيرات التي تستدعي التقييم الطبي قد تكون غير مؤلمة.


وهنا تكمن خطورة الصمت، لا لأن كل تغير يعني الإصابة بالسرطان، بل لأن تجاهله قد يؤخر معرفة السبب. فمن العلامات التي تستدعي الانتباه ظهور كتلة أو سماكة غير معتادة، أو تغير في حجم الثدي أو شكله، أو تغيرات في الجلد، أو في المنطقة الأمامية من الثدي وما يحيط بها، أو خروج إفرازات غير طبيعية. ومعظم كتل الثدي ليست سرطانية، لكن الاطمئنان الحقيقي يكون بالتقييم الطبي، لا بالتخمين والانتظار.


ومن المفاهيم الخاطئة التي ينبغي تصحيحها الاعتقاد بأن الإصابة بسرطان الثدي تعني بالضرورة استئصال الثدي بالكامل. فالعلاج يختلف بحسب نوع المرض ومرحلته والحالة الصحية للمرأة؛ وقد يشمل إزالة الورم مع المحافظة على الثدي في بعض الحالات، أو إجراء جراحة أوسع عند الحاجة، إلى جانب العلاج الإشعاعي أو الدوائي وفقا للتقييم الطبي. ولذلك فإن التشخيص المبكر لا يحسن فرص العلاج فحسب، بل قد يتيح خيارات علاجية أكثر ملاءمة.


غير أن المعركة مع الخوف لا تخوضها المرأة وحدها، ولا ينبغي لها ذلك. فكم من امرأة أخفت قلقها حتى لا تثقل على أسرتها، وكم من أم اعتادت أن تسأل أبناءها عن صحتهم، بينما لم تجد من يصغي إلى مخاوفها! وربما كانت تحتاج إلى كلمة من زوجها تقول لها إن صحتها أهم من كل شيء، أو إلى ابنة تمسك بيدها، أو أخت ترافقها إلى الطبيب.


فالمساندة ليست مجرد كلمات مواساة، بل قد تكون الخطوة التي تساعد امرأة خائفة على طلب الرعاية في الوقت المناسب. والدعم النفسي والأسري يعينها على مواجهة القلق ومتابعة العلاج، لكنه لا يغني عن التشخيص والرعاية الطبية.


ولذلك، فإن مسؤوليتنا لا تنتهي عند نشر معلومة عن سرطان الثدي، بل تبدأ حين نحول تلك المعلومة إلى وعي داخل الأسرة والمجتمع؛ حين نشجع المرأة على الحديث عن صحتها دون حرج، ونساعدها على الوصول إلى الرعاية، ونتوقف عن التعامل مع المرض وكأنه نهاية الحكاية.


ماذا لو تلافينا الخطر قبل أن تتعقد الحكاية؟ ماذا لو لم نترك امرأة تؤجل الفحص لأنها تخاف الحقيقة؟ وماذا لو أدرك كل زوج وابن وأخ أن كلمة طيبة، ومرافقة صادقة، واهتماما في الوقت المناسب، قد تصنع فرقا كبيرا في حياة امرأة؟


ليس المطلوب أن نعيش خائفين من المرض، بل أن نعيش أكثر وعيا بصحتنا، وأكثر رحمة بمن حولنا.


فلنكسر حاجز الصمت، ولنمنح المرأة المعرفة التي تطمئنها، والسند الذي يقويها، والفرصة لطلب الرعاية دون تأخير. فالحياة أثمن من أن نترك الخوف وحده يقرر مصيرها.


وإلى كل من يقرأ هذه الكلمات: لا تحتفظ برسالة الوعي لنفسك. أوصلها إلى أمك، وأختك، وزوجتك، وابنتك، وإلى كل امرأة قد تكون في حاجة إلى معلومة صحيحة أو يد تمتد إليها بالمساندة.


فربما تبدأ حماية حياة كاملة بكلمة صادقة، أو معرفة تنير الطريق، أو خطوة شجاعة في الوقت المناسب.


الوعي حماية.


#الحملة_الوطنية_الثالثة_عشر_للتوعية_بسرطان_الثدي

#الوعي_حماية

إرسال تعليق

0 تعليقات