نفس واحد فقط من هواء الله المجاني، مستعد أن أدفع مقابله كل ما أملك من سنوات عمري الآن، ولا أحصل عليه!

نفس واحد فقط من هواء الله المجاني، مستعد أن أدفع مقابله كل ما أملك من سنوات عمري الآن، ولا أحصل عليه!



بقلم زينب الشهاري |الحديدة اكسبرس الإخباري 


أنبوب بلاستيكي غليظ يخترق حنجرتي، وقناع بارد يطبق على وجهي ككفن شفاف. طوال عشرين عاماً، كنت أشتري الموت بمالي، أنفثه دخاناً في الهواء بغرور، واليوم، أستجدي آلة إلكترونية لاهثة كي تضخ ذرة أكسجين في صدر تيبس وتحول إلى مقبرة للرماد. أجاهد لأرفع جفني المثقلين بالرصاص في غرفة الطوارئ، فلا أجد حولي سوى بياض شاحب، ورائحة معقمات لاذعة، وطعم الندم المر.


في غمرة هذا العجز الموحش، تداعى أمامي شريط العمر كفيلم سينمائي بطيء. لم ألمح فيه سوى عيني طفلتي الصغيرة، مدللتي التي طالما ركضت نحوي لترتمي في أحضاني، فتدس وجهها الملائكي في صدري. لكني أذكر كيف كانت تنتفض فجأةً، تبتعد عني وتسعل بشدة، وعيناها تدمعان من رائحة التبغ العالقة في أنفاسي وثيابي. كنت أرى ضيق تنفسها، وأشاهد انزعاجها، ورغم حبي العظيم الذي يتسع للكون، لم أرحم رئتيها الغضتين. لم أتوقف لأجلها. انزلقت دمعة حارة، ثقيلة كالجمر، لتستقر تحت قناع الأكسجين البارد، تحرق وجهي كما أحرق الدخان أيامنا.


تتوالى الصور لتصفعني بوجه ابني المراهق؛ قطعة مني، وسندي الذي بدأ يشتد عوده. كم كانت فجيعتي قاسية حين التقطت رائحة الرماد من أنفاسه ذات مساء. لقد ورثته الخطيئة طوعاً. لم أورثه الحكمة أو القوة، بل نقلت إليه بيدي عادةً ستلتف حول عنقه كما تلتف الآن كالمشنقة حول عنقي. كنت ببطولتي الزائفة قدوته، فبئس القدوة كنت، قتلت مستقبله بسيجارتي قبل أن يزهر.


وأين هي الآن؟ أين رفيقة دربي وزوجتي التي بح صوتها وهي تستعطفني؟ أستحضر نظرات عتابها المشفقة ومحاولاتها اليائسة لانتزاع هذا السم من بين أصابعي. كانت تحذرني من هذا السرير، من هذه اللحظة، وكنت أسخر من خوفها وأدعي كبرياءً زائفاً بأني أسيطر على رغباتي.


ها أنا الآن أسير لمحطة النهاية، يحاصرني الموت من كل زاوية، وأتنفس عبر آلة لا تعوضني عن نسمة هواء واحدة في حديقة بيتي. وحيد، بعيد عن ضحكة ابنتي، وعن حضن زوجتي، وعن ابني الذي لوثت أيامه.


يا من تقرأ حشرجتي، يا من لا تزال تملك رفاهية التنفس دون أجهزة، وتستمتع بعناق أبنائك دون أن تخنقهم برائحة الموت؛ أطفئ سيجارتك الآن. اسحقها بحذائك قبل أن تسحق أيامك، وقبل أن تجد نفسك في مكاني هذا، تبكي ندماً على عمر قايضت فيه أنفاس أحبتك برماد زائل.


#شهاريات

#الحملة_الوطنية_الثانية_عشرة_للتوعية_بمخاطر_التدخين

#قرارك_يحميك

#صندوق_مكافحة_السرطان

إرسال تعليق

0 تعليقات