درس من صنعاء: حرب الفواتير بدل حرب المعارك
تحليل عبده بغيل | الحديدة اكسبرس الإخباري
التاريخ يقول إن الإمبراطوريات لا تنهار في ساحة المعركة.. بل في ميزانية وزارة المالية وهو ما تشهده الولايات المتحدة الأمريكية فبعد 14 عاماً من خروجها من الخدمة، لا تزال حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس إنتربرايز" CVN-65 تستنزف خزينة البنتاغون. فقد رست مؤخراً في حوض بموبايل - ألاباما بعقد قيمته 418.5 مليون دولار لتفكيكها بالكامل، لتصل الفاتورة الإجمالية إلى 1.3 مليار دولار. رقم صادم، لأنه يعادل ربع تكلفة بنائها قبل 65 عاماً.
لكن القصة أبعد من خردة بحرية. إنها نافذة على مستقبل القوة الأمريكية في العالم، وعلى وجه الخصوص في البحر الأحمر وباب المندب حيث تلعب صنعاء دوراً محوريا ومتصاعدا في اي معركة بحرية في البحرين الأحمر والعربي ضد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة لكن ما يهم صنعاء من
قصة "يو إس إس إنتربرايز" هو تقدم درساً استراتيجياً لا يقل أهمية عن أي معركة بحرية ورسائل عدة لواشنطن منها :
____الرسالة الأولى: الاستنزاف الاقتصادي سلاح معادل للقوة النارية فواشنطن أنفقت 1.3 مليار دولار لتفكيك حاملة واحدة متقاعدة. وتستعد لإنفاق رقم مشابه على "نيميتز" العام القادم، ثم 9 حاملات أخرى بعدها.
هذه "فاتورة الماضي" التي لا مفر منها.
في المقابل، كلفة تشغيل مجموعة قتالية أمريكية في البحر الأحمر تتجاوز 200 مليون دولار شهرياً. وعندما تضيف لها تكلفة الذخائر الاعتراضية التي يصل سعر الصاروخ الواحد فيها إلى 4 مليون دولار، تتحول المواجهة إلى سباق من ينهار مالياً أولاً.
صنعاء اختارت منذ 20 يوليو فرض حصار بحري بتكلفة منخفضة جداً: مسيرة وصاروخ. النتيجة: تراجع 56% في عبور الناقلات السعودية عبر باب المندب، ووصول الواردات الأمريكية من النفط السعودي إلى "صفر" في يوليو. وبحسب محللون اقتصاد وجهت صنعاء ضربة "مؤلمة" لواشنطن من خلال " الضغط" بملايين الدولارات أجبر واشنطن على سحب مئات الملايين من احتياطيها الاستراتيجي لتعويض العجز.
___الرسالة الثانية: زمن الحاملات العملاقة انتهى،
"إنتربرايز" ظلت 50 سنة في الخدمة، وستحتاج 18 سنة للتفكيك. أي أن عمر "الموت" أطول من عمر "الحياة القتالية" الفعلية. هذا النموذج لم يعد عملياً.
في بيئة مثل البحر الأحمر اليوم، حيث الصواريخ المضادة للسفن والمسيرات البحرية منتشرة، تصبح الحاملة هدفاً بقيمة 13 مليار دولار يحتاج لحماية بأسطول كامل. وخسارتها أو إصابتها تعني كارثة مالية وسياسية. لذلك سيكون على البنتاغون الاختيار بين: إما المخاطرة، أو الانسحاب، أو تفويض المهمة لحلفاء محليين.
_الرسالة الثالثة: الحرب الجديدة هي حرب "ما بعد المعركة"
المنتصر لم يعد من يسيطر على البحر لساعات. المنتصر هو من يجعل خصمه يدفع فاتورة لعقود.
أمريكا ما زالت تدفع ثمن سفينة تقاعدت قبل 14 سنة. وستدفع ثمن كل ذخيرة أطلقتها في البحر الأحمر، وثمن كل ناقلة تأخرت، وثمن كل برميل سحبته من احتياطيها الاستراتيجي.
__اخيرا
الضغط من صنعاء على خطوط الإمداد وتكاليف التشغيل الأمريكية في البحر الأحمر ليس تكتيكاً مرحلياً. هو استراتيجية طويلة النفس لإجبار واشنطن على إعادة حساباتها. لأن البنتاغون في النهاية سيواجه معادلة بسيطة: هل نبقي على هيمنة تكلفنا مليارات في التشغيل ومليارات في التفكيك، أم ننسحب ونوفر؟

0 تعليقات