هل يكون العام 2027 ليس مجرّد رقم؟ بل سقوط الاستثناء وتهاوي الأسطورة: قراءة واقعية في تصدُعات الكيان
الحديدة اكسبرس الاخباري ||مقالات
بقلم موسى عبّاس
12 تموز 2026
لَمْ يَعُدِ الْحَدِيثُ عَنْ "نِهَايَةِ الْكِيَانِ الصِّهْيُونِيِّ" مُجَرَّدَ تَنْظِيرَاتٍ فِكْرِيَّةٍ فِي الْغُرَفِ الْمُغْلَقَةِ، بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى قِرَاءَةٍ وَاقِعِيَّةٍ لِمَشْهَدٍ دَوْلِيٍّ يَتَغَيَّرُ بِوَتِيرَةٍ مُتَسَارِعَةٍ. مَا نَعِيشُهُ الْيَوْمَ لَيْسَ مَوْجَةَ غَضَبٍ عَارِضَةٍ، بَلْ هُوَ مَخَاضٌ لِنِظَامٍ عَالَمِيٍّ جَدِيدٍ بَدَأَ يَضِيقُ ذَرْعًا بِالاسْتِثْنَاءِ الَّذِي مُنِحَ لِلْكِيَانِ الصِّهْيُونِيِّ عَلَى مَدَارِ عُقُودٍ، فِي ظِلِّ حِمَايَةٍ غَرْبِيَّةٍ لَمْ تَعُدْ قَادِرَةً عَلَى احْتِوَاءِ الانْفِجَارِ الأَخْلَاقِيِّ وَالْقَانُونِيِّ الَّذِي يَشْهَدُهُ الْعَالَمُ.
إِرْثُ الاسْتِعْمَارِ: لَا حَصَانَةَ لِلأَطْرَافِ الْمُؤَسِّسَةِ.
لَا يُمْكِنُ الْحَدِيثُ عَنْ نِهَايَةِ الأُسْطُورَةِ دُونَ تَسْمِيَةِ "الْمُهَنْدِسِينَ الأَوَائِلِ" لِهَذَا الإِجْرَامِ. فَبِرِيطَانْيَا، الَّتِي أَطْلَقَتِ الْوَعْدَ الْمَشْؤُومَ وَكَانَتِ الْحَاضِنَةَ التَّارِيخِيَّةَ لِزَرْعِ هَذَا الْكِيَانِ عَلَى أَرْضِ فِلَسْطِينَ، لَا تَزَالُ حَتَّى اللَّحْظَةِ تُمَارِسُ دَوْرَ "الْحَامِي الأَيْدِيُولُوجِيِّ" لِمُمَارَسَاتِهِ. إِنَّهَا الشَّرِيكُ الْمُؤَسِّسُ الَّذِي يَتَحَمَّلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ الْقَانُونِيَّةَ وَالأَخْلَاقِيَّةَ عَنْ كُلِّ قَطْرَةِ دَمٍ سُفِكَتْ مُنْذُ "وَعْدِ بَلْفُورَ" وَحَتَّى الْيَوْمِ. إِنَّ هَذَا الاسْتِحْقَاقَ التَّارِيخِيَّ لَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ وَاشِنْطُنَ وَحْدَهَا، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ أَلْمَانْيَا وَفَرَنْسَا، وَكُلَّ الْقُوَى الَّتِي لَا تَزَالُ تُغَلِّفُ دَعْمَهَا الْمُطْلَقَ لِهَذَا الْكِيَانِ بِشِعَارَاتٍ زَائِفَةٍ. إِنَّ عَصْرَ الإِفْلَاتِ مِنَ الْعِقَابِ قَدْ وَلَّى؛ فَالْمُطَالَبَةُ بِالْعَدَالَةِ لَا تَكْتَمِلُ إِلَّا بِمُحَاسَبَةِ الْقُوَى الَّتِي مَنَحَتِ الصِّهْيَوْنِيَّةَ غِطَاءَهَا الاسْتِعْمَارِيَّ.
كَسْرُ "احْتِكَارِ الْحَقِيقَةِ": الإِعْلَامُ الْبَدِيلُ كَجَبْهَةِ تَحْرِيرٍ.
إِنَّ الْمُوَاجَهَةَ مَعَ الْكِيَانِ الصِّهْيُونِيِّ صِرَاعٌ فِي عُقُولِ الشُّعُوبِ الَّتِي طَالَمَا غَيَّبَتْهَا آلَةُ الإِعْلَامِ التَّقْلِيدِيِّ الْخَاضِعَةُ لِسَطْوَةِ اللُّوبِيِّ الصِّهْيُونِيِّ. وَهُنَا يَأْتِي دَوْرُ الإِعْلَامِيِّينَ الأَحْرَارِ -الَّذِينَ يَسِيرُونَ عَلَى نَهْجِ أَصْوَاتٍ جَرِيئَةٍ مِثْلِ "تَاكَرَ كَارْلْسُونَ" وَغَيْرِهِ- لِيَكُونُوا رَأْسَ الْحَرْبَةِ فِي كَسْرِ هَذَا الْحِصَارِ التَّضْلِيلِيِّ. إِنَّ الْمَعْرَكَةَ الإِعْلَامِيَّةَ الْيَوْمَ تَهْدِفُ إِلَى انْتِزَاعِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ آلَةِ الْقَتْلِ، وَتَحْوِيلِ الْقَضِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ مِنْ "وِجْهَةِ نَظَرٍ" إِلَى "حَقِيقَةٍ كَوْنِيَّةٍ" لَا يُمْكِنُ لأَيِّ مُؤَسَّسَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ مُتَوَاطِئَةٍ أَنْ تَطْمِسَهَا.
الْمُلَاحَقَةُ الْجِنَائِيَّةُ: قَفَصُ الاتِّهَامِ التَّارِيخِيِّ
إِنَّ مَا يَحْدُثُ فِي سَاحَاتِ الْقَضَاءِ، مِنْ تُرْكِيَا وُصُولًا إِلَى أَيْرْلَنْدَا، يُعِيدُ تَعْرِيفَ الصِّرَاعِ مِنْ كَوْنِهِ "نِزَاعًا إِقْلِيمِيًّا" إِلَى كَوْنِهِ "جَرِيمَةً ضِدَّ الإِنْسَانِيَّةِ". عِنْدَمَا تُصْبِحُ لَوَائِحُ الاتِّهَامِ بِـ"الإِبَادَةِ الْجَمَاعِيَّةِ" مِعْيَارًا لِلنِّقَاشِ الْبَرْلَمَانِيِّ فِي بُولَنْدَا، وَتُشَبَّهُ أَفْعَالُ الاحْتِلَالِ بِأَبْشَعِ الْمَآسِي التَّارِيخِيَّةِ فِي كُورِيَا الْجَنُوبِيَّةِ، فَقَدْ سَقَطَتْ "حَصَانَةُ السُّمْعَةِ".
مِحْوَرُ الْمُقَاوَمَةِ: مُعَادَلَةُ الرَّدْعِ الْجَدِيدَةُ.
لَمْ يَكُنِ الانْكِشَافُ الصِّهْيُونِيُّ لِيَحْدُثَ لَوْلَا صَلَابَةُ "مِحْوَرِ الْمُقَاوَمَةِ" بِقِيَادَةِ إِيرَانَ، الَّذِي نَجَحَ فِي كَسْرِ حَاجِزِ الْخَوْفِ وَتَحْوِيلِ التَّهْدِيدِ الْوُجُودِيِّ مِنْ "نَظَرِيَّاتٍ" إِلَى وَاقِعٍ مَلْمُوسٍ. لَقَدْ فَرَضَتْ إِيرَانُ وَحُلَفَاؤُهَا مُعَادَلَةَ رَدْعٍ أَخْرَجَتِ الْكِيَانَ مِنْ وَهْمِ "التَّفَوُّقِ الْمُطْلَقِ" إِلَى وَاقِعِ الْحِصَارِ الْمَيْدَانِيِّ. لَمْ يَعُدِ الْكِيَانُ يُوَاجِهُ جَبْهَةً وَاحِدَةً، بَلْ صَارَ مُحَاصَرًا بِمِظَلَّةٍ مِنَ النِّيرَانِ وَالإِرَادَةِ الَّتِي لَا تَعْتَرِفُ بِحُدُودِهِ. هَذَا الدَّوْرُ لَمْ يَكْتَفِ بِالتَّحَدِّي الْعَسْكَرِيِّ، بَلْ وَفَّرَ الْغِطَاءَ الاسْتِرَاتِيجِيَّ الَّذِي سَمَحَ لِلتَّحَرُّكَاتِ الشَّعْبِيَّةِ وَالدِّبْلُومَاسِيَّةِ فِي الْعَالَمِ بِأَنْ تَأْخُذَ مَدَاهَا، مُثْبِتًا أَنَّ زَمَنَ "الْعَرْبَدَةِ" قَدِ انْتَهَى.
عُزْلَةُ السِّلَاحِ وَالْمَالِ: بِدَايَةُ النِّهَايَةِ الاقْتِصَادِيَّةِ.
لَمْ يَعُدِ الأَمْرُ سِيَاسِيًّا فَقَطْ؛ فَقَدْ بَدَأَتْ دُوَلٌ بِتَجْمِيدِ صَادِرَاتِ السِّلَاحِ، وَسَحْبِ الصُّنْدُوقِ السِّيَادِيِّ النَّرْوِيجِيِّ اسْتِثْمَارَاتِهِ. كَمَا تَتَصَاعَدُ الدَّعَوَاتُ لِمُقَاطَعَةٍ أَكَادِيمِيَّةٍ وَرِيَاضِيَّةٍ شَامِلَةٍ. عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ الْكِيَانُ مِنْ "أَصْلٍ اسْتِثْمَارِيٍّ آمِنٍ" إِلَى "عِبْءٍ سُمْعِيٍّ" وَمَالِيٍّ، فَهَذِهِ هِيَ بِدَايَةُ النِّهَايَةِ الاقْتِصَادِيَّةِ لِلأُسْطُورَةِ. إِنَّ هَذَا الضَّغْطَ الْمَالِيَّ يَضَعُ الْكِيَانَ أَمَامَ حَقِيقَةٍ أَنَّ الْبَقَاءَ "مُكْلِفٌ جِدًّا".
الانْهِيَارُ مِنَ الدَّاخِلِ: اعْتِرَافُ الْعَدُوِّ.
حَتَّى الإِعْلَامُ الْعِبْرِيُّ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى إِخْفَاءِ الْحَقِيقَةِ الْمُرَّةِ؛ فَقَدْ كَتَبَتْ صَحِيفَةُ "يَدِيعُوتْ أَحْرُونُوتْ" صَرَاحَةً: "إِسْرَائِيلُ عَلَى شَفَا انْهِيَارٍ سِيَاسِيٍّ... الْحُكُومَةُ تَبْدُو عَاجِزَةً". وَعِنْدَمَا يَعْتَرِفُ الْعَدُوُّ بِمَرَضِهِ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَرَضَ قَدِ اسْتَفْحَلَ وَأَصْبَحَ يُهَدِّدُ وُجُودَهُ مِنَ الدَّاخِلِ.
إِنَّهَا لَحْظَةُ الاخْتِيَارِ التَّارِيخِيِّ
إِنَّ عَامَ ٢٠٢٧ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَقْمٍ فِي التَّقْوِيمِ، بَلْ هُوَ في الغَالِبْ مَوْعِدٌ مَعَ الْحَقِيقَةِ الَّتِي طَالَ إِخْفَاؤُهَا. إِنَّ الْكِيَانَ الصِّهْيُونِيَّ يَكْتَشِفُ الْيَوْمَ أَنَّ رَصِيدَهُ الأَخْلَاقِيَّ قَدْ نَضَبَ، وَأَنَّ جُدْرَانَ عُزْلَتِهِ تَتَدَاعَى. إِنَّنَا لَا نَشْهَدُ مُجَرَّدَ أَزْمَةٍ سِيَاسِيَّةٍ، بَلْ نَشْهَدُ "تَصْفِيَةَ حِسَابٍ" مَعَ حِقْبَةِ الاسْتِعْمَارِ. لَقَدْ دُفِنَتْ شَرْعِيَّةُ هَذَا الْكِيَانِ فِي رُكَامِ غَزَّةَ وَلُبْنَانَ، وَمَزَّقَتْهَا صَرْخَاتُ الأَحْرَارِ. التَّارِيخُ الْيَوْمَ لَا يُكْتَبُ فِي أَرْوِقَةِ لَنْدَنَ وَوَاشِنْطُنَ، بَلْ يُخَطُّ بِأَقْلَامِ الأَحْرَارِ وَبِصُمُودِ الْمَظْلُومِينَ، فأمّا الْمُتَفَرِّجُونَ فِي أَوْقَاتِ التَّحَوُّل التَّارِيخِيِّ ليسوا سِوى مُجَرَّدُ أَرْقَامٍ هَامِشِيَّةٍ ، في الوقت الذي بدأت تُكْتُبُ نِهَايَةَ "الأُسْطُورَةِ" .
