التسجيلات التي فضحت مشروع ترامب-نتنياهو لإخضاع أميركا اللاتينية
الحديدة اكسبرس الإخباري |مقالات
الاربعاء 13-5-2026
كشفت تسجيلات صوتية مسرّبة، عن مشروعٍ متكامل لتحويل أميركا اللاتينية إلى فضاءٍ تابع، تُدار ثرواته لصالح رأس المال العابر للحدود، وتُحكم شعوبه بالخوف، والقمع، والتلاعب الإعلامي والديني.
إنها ليست مجرد مؤامرات معزولة أو فضائح فساد عابرة، بل ملامح خطة استراتيجية واسعة تسعى إلى إعادة إخضاع «الفناء الخلفي» للولايات المتحدة، عبر مزيج من الهيمنة الاقتصادية، والعسكرة، والحرب القانونية، وإحياء الشبكات السياسية المرتبطة بالاستبداد والمافيات.
تشير الوثائق والتسجيلات إلى تنسيقٍ بين إدارة دونالد ترامب، وحكومة بنيامين نتنياهو، وبدعم من خافيير ميلي، لاستخدام الرئيس الهندوراسي السابق خوان أورلاندو هيرنانديز، المحكوم سابقًا في الولايات المتحدة بقضايا مرتبطة بتهريب المخدرات، لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة.
الهدف المركزي للخطة يتمثّل في كبح النفوذ الصيني المتصاعد، ولا سيما في قطاع المعادن النادرة والاستراتيجية، حيث تهيمن بكين على النسبة الأكبر من عمليات التكرير عالميًا. لكن البعد الجيوسياسي لا ينفصل عن هدفٍ آخر أكثر عمقًا: إسقاط أو إضعاف الحكومات والقوى التقدمية واليسارية في القارة، وإعادة إنتاج أنظمة طيّعة تدور في الفلك الأميركي.
فبعد الكشف عن الدسائس الخفية وراء التدخل الأمريكي والإسرائيلي في الانتخابات الهندوراسية، والعفو الممنوح للرئيس السابق بهدف عودته إلى وطنه كمرشح محتمل في عام 2029، ووكيل سياسي لترامب واللوبي الإسرائيلي في المنطقة، نشر موقع "Hondurasgate" دفعةً ثانية من الملفات الصوتية التي تؤكد استراتيجية واشنطن لزعزعة الاستقرار في أميركا اللاتينية ودور هندوراس كجيب استراتيجي لاستعادة السيطرة على المنطقة، من خلال شبكات فساد، وابتزاز سياسي، واختلاس أموال عامة، وتمويل حملات تضليل إعلامي، واستخدام الإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات، فضلًا عن توظيف الخطاب الديني كأداة تعبئة وتوجيه للرأي العام.
أوّلاً: استعمار اقتصادي بثوبٍ جديد
تشير التسجيلات إلى مشاريع تهدف إلى تحويل أجزاء من هندوراس إلى ما يشبه مستعمرات اقتصادية معزولة، تُدار مباشرة من قبل شركات متعددة الجنسيات، خصوصًا الأميركية. ومن بين الخطط المطروحة:
1-توسيع «مناطق التنمية الاقتصادية الخاصة»، التي تُمنح فيها الشركات سلطات شبه سيادية.
2-إنشاء قاعدة عسكرية أميركية جديدة.
3-سنّ تشريعات لتسهيل الاستثمار الأميركي والإسرائيلي في الذكاء الاصطناعي.
4-بناء سجن ضخم على غرار سجن ”CECOT“ في السلفادور، المعروف بظروفه اللاإنسانية والانتهاكات الواسعة داخله.
5-احتكار شراء المعادن الاستراتيجية من الأرجنتين والولايات المتحدة، وإقصاء الصين وكندا عن هذا القطاع.
في أحد التسجيلات، يشرح الرئيس نصري عصفورة هذه الرؤية باعتبارها مشروعًا لإعادة هندسة المنطقة اقتصاديًا وأمنيًا، بما يخدم التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي.
ثانيًا: السلطة عبر الدم
تكشف التسريبات أيضًا عن خطاب بالغ العنف، يعتبر القمع شرطًا لبقاء السلطة.
ففي أحد التسجيلات، يأمر هيرنانديز رئيس الكونغرس الموالي له توماس زامبرانو باستخدام القوة والدماء ضد المعارضة، مؤكدًا أن السيطرة على الناس لا تتحقق إلا عبر القمع والاستنزاف.
ويستحضر هيرنانديز خطاب المافيات معتبرًا أنّ «الحفاظ على السلطة يبرّر كلّ شيء. وإذا ساءت الأمور، فسنضطر إلى إلقاء اللوم على الشيوعيين. سنقول إنهم هم من استفزوا وبدأوا العنف، ونحن فقط نردّ».
وبتنسيق مع الجنرال الانقلابي روميو ڤاسكيز ڤيلاسكيز، المتهم بجرائم قتل خلال مرحلة الانقلاب العسكري في هندوراس عام 2009، حيث يؤكد استعداده لتحريك وحدات عسكرية دعمًا للخطة.
ثالثًا: الدين بوصفه أداة سياسية
في تسجيلات أخرى، يؤكد هيرنانديز ضرورة توظيف الكنائس الإنجيلية لتشكيل الرأي العام ضد حكومة شيومارا كاسترو، وترسيخ فكرة أن «اليسار فشل في الحكم».
يظهر الدين هنا بوصفه أداة تعبئة سياسية، تُستخدم لمحو الذاكرة الجماعية، وتبرير عودة النخب القديمة إلى السلطة، وإضفاء شرعية أخلاقية على مشروع قائم على القمع والتبعية.
رابعًا: غرف عمليات إعلامية وحروب قذرة
تكشف التسريبات كذلك عن خطّةٍ لإنشاء وحدة صحافة رقميّة مموّلة بأموال مختلسة من مؤسسات الدولة الهندوراسية، هدفها شنّ حملات تشويه ضدّ حكومات تقدمية في المنطقة، بينها حكومتا غوستافو پيترو وكلاوديا شينباوم.
وبحسب التسجيلات، خُصّصت مئات آلاف الدولارات لاستئجار مقرٍ لهذه الوحدة، وإطلاق موقعٍ إلكتروني مرتبط بأعضاءٍ من فريق ترامب، يُستخدم لإنتاج ملفات دعائية، وحملات تشهير، واتهامات قانونية ضد الخصوم السياسيين.
يصف هيرنانديز هذه المهمة بأنها «حرب لاستئصال سرطان اليسار من أميركا اللاتينية».
خامسًا: تصفية الخصوم وإعادة إنتاج النظام القديم
تكشف الدفعة الأخيرة من التسجيلات عن خطة متعددة المراحل للسيطرة على مؤسسات الدولة، تبدأ بتهديد المعارضين وملاحقتهم، ثم شراء ولاءات داخل البرلمان، وصولًا إلى إعادة شخصيات مرتبطة بالنظام القديم إلى مواقع النفوذ.
ومن أبرز المستهدفين عضو المجلس الانتخابي مارلون أوتشوا، الذي كان قد فضح عمليات تزوير انتخابي وتدخلات أميركية في الانتخابات الماضية.
وتظهر التسجيلات نقاشات صريحة حول إزاحته عبر تلفيق ملفات قانونية، واستصدار مذكرات توقيف دولية بحقه، بل وحتى التلويح بسجنه أو تصفيته.
كما تشير التسريبات إلى رشى بمئات آلاف الدولارات دُفعت لنواب من الحزب الليبرالي لضمان الأصوات اللازمة لعزل خصوم سياسيين داخل البرلمان.
سادسًا: عودة ”الحرب القذرة“
ترى الناشطة الحقوقية بيرثا أوليڤا أنّ ما يجري ليس سوى إعادة إنتاج لسيناريو الثمانينيات، حين تحالفت الأوليغارشيات المحلية مع واشنطن لإبادة الحركات الشعبية في أميركا الوسطى.
وحذّرت أوليڤا من أنّ المنطقة تقف اليوم أمام مشروع «دكتاتورية مخدرات» جديدة، مدعومة بالجيش والإعلام ورأس المال، هدفها إحكام السيطرة لعقود طويلة، ولو كان الثمن مزيدًا من القمع والنفي والاغتيالات.
رغم قتامة المشهد، تختم بعبارة تختصر جوهر الصراع في القارة: «قد يملكون السلاح والمال والإعلام، لكن الشعوب، في النهاية، لا تتوقف عن المقاومة.»
جورجيو تروكي
صحفي إيطالي بارز ومحلّل سياسي، متخصّص في شؤون أميركا اللاتينية.
رابط المقال
