الشريط الإخباري

بين جثمانٍ يُستعاد وآلافٍ تُهان.. ران غفيلي يفضح الاحتلال ويُسقط ورقة الابتزاز

بين جثمانٍ يُستعاد وآلافٍ تُهان.. ران غفيلي يفضح الاحتلال ويُسقط ورقة الابتزاز


متابعات | الحديدة اكسبرس 

الثلاثاء 27/يناير/2026 



«جندي واحد يهزّ ضمير العالم، وآلاف الأجساد الفلسطينية ما زالت تحت الأنقاض لا تهزّ إلا الغبار»… بهذه الكلمات المؤلمة لخّص مدير عام وزارة الصحة في غزة، منير البرش، مشهدًا إنسانيًا فادحًا يعكس حجم الاختلال الأخلاقي في التعامل مع الضحايا في قطاع غزة، حيث تتحول جثة أسير إسرائيلي واحد إلى قضية كبرى، فيما تُترك آلاف الجثامين الفلسطينية تحت الركام بلا كفن ولا قبر ولا حتى خبر.


وفي منشور مؤثر له، تساءل البرش بمرارة: «أين جثامين شهدائنا الأسرى في سجون الاحتلال؟ أين جثمان الأسير د. عدنان البرش؟ أين جثمان الأسير د. إياد الرنتيسي؟ أين مفقودونا الذين ابتلعهم القصف؟»، مضيفًا أن غزة لم تعد تبحث فقط عن أحياء، بل عن موتى، ثم عن أثر يدل أن هنا كان إنسان.


جثمان واحد.. مقابل آلاف الجثامين


هذا النداء الإنساني جاء متزامنًا مع إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي استعادة جثة الجندي الأسير ران غفيلي من قطاع غزة، في عملية عسكرية وُصفت داخل إسرائيل بـ«المعقّدة» وجرى تقديمها إعلاميًا بوصفها «إنجازًا غير مسبوق»، غير أن التفاصيل الميدانية، تكشف صورة مغايرة تمامًا.


فقد نفّذ جيش الاحتلال عملية واسعة في «مقبرة البطش» بحي التفاح شرقي مدينة غزة، استمرت يومين، وشملت نبش مئات القبور وتجريفها، واستخراج جثامين فلسطينيين ونقلها إلى معهد الطب العدلي «أبو كبير» للتحقق من هوية الجندي الإسرائيلي. رافق ذلك إطلاق نار كثيف وكتلة نارية كبيرة لتأمين انسحاب القوات.


مشهد صادم، تُنتهك فيه حرمة الموتى الفلسطينيين، وتُجرف القبور، في وقت لا يزال أكثر من عشرة آلاف شهيد فلسطيني تحت أنقاض المنازل المدمّرة، دون أن يُسمح بانتشالهم أو حتى الاعتراف بمأساتهم.


أخذوا جثّتهم، وليذهبوا معها إلى الجحيم.. ماذا بعد؟


كانت تلك حجّتهم في استمرار حجب المساعدات، وبخاصة البيوت الجاهزة وعموم العبث في معبر رفح، لكن الحقيقة أنها كانت ذريعة، فقد كشفت صحيفة "إسرائيل اليوم" اليوم أن المستوى السياسي هو الذي حال دون وصول الجيش إلى الجثة قبل أسابيع، رغم… pic.twitter.com/yy0KY6qhTx


— ياسر الزعاترة (@YZaatreh) January 26, 2026

الجثة كأداة سياسية


القراءة السياسية للعملية لا تقل قسوة عن بعدها الإنساني. فقد كشف مراسل الجزيرة إلياس كرام، نقلًا عن تقارير إسرائيلية، أن المستوى السياسي بقيادة بنيامين نتنياهو تعمّد تأخير إعطاء الضوء الأخضر للجيش للبحث عن جثة غفيلي، رغم توفر معلومات استخباراتية دقيقة منذ أسابيع.


وبحسب هذه التقارير، جاء التأخير في إطار المماطلة السياسية لكسب الوقت وتعطيل استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار، وعلى رأسها فتح معبر رفح وإدخال المساعدات، ما حوّل جثمان الجندي إلى ورقة ابتزاز سياسي وإنساني.


الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة علّق على ذلك بقوله إن الجثة استُخدمت ذريعة لحجب المساعدات، مشيرًا إلى أن «إسرائيل اليوم» كشفت أن القرار كان سياسيًا لا عسكريًا، وأضاف بلهجة لاذعة: «أخذوا جثّتهم، وليذهبوا معها إلى الجحيم.. ماذا بعد؟».


فشل الخيار العسكري.. ونجاح التفاوض


ورغم محاولات نتنياهو تسويق استعادة الجثة على أنها ثمرة «الضغط العسكري»، تكشف الأرقام مفارقة صارخة:


– مسار التفاوض نجح في استعادة 126 أسيرًا إسرائيليًا أحياء.


– الخيار العسكري لم ينجح سوى في استعادة 8 أسرى أحياء فقط.


– العمليات العسكرية تسببت بمقتل 41 أسيرًا إسرائيليًا، عدد منهم بنيران جيش الاحتلال نفسه.


السياسي العراقي طارق الهاشمي رأى أن إسرائيل وظّفت ملف الجثة طويلًا في التعطيل والابتزاز، متسائلًا عمّا إذا كانت ستفي الآن بالتزاماتها، لا سيما ما يتعلق بمعبر رفح والمساعدات، محذرًا من «مفاجآت غير سارة» في سلوك الاحتلال.


بين جثةٍ تُستعاد… وآلاف الجثث تُترك تحت الركام


يعثر جيش الاحتلال على جثة جندي له في غزة،

فتُفتح له السماء الإعلامية،

وتُقرَع طبول الإنسانية،

وتُستدعى كل مفردات الحزن والكرامة و"الحق في الدفن".

طيب…

ونحن؟

أين أسرانا؟

أين جثامين شهدائنا الأسرى في سجون الاحتلال؟

أين جثمان الأسير… pic.twitter.com/bGzJjW0HMm


— Dr.Muneer Alboursh د.منيرالبرش (@Dr_Muneer1) January 26, 2026

موتى لا تحفظ كرامتهم


في مقابل هذا الاستنفار العسكري والإعلامي من أجل جثة واحدة، تقف غزة أمام واقع أكثر قسوة: آلاف الجثامين لا تزال تحت الركام، وأسرى استُشهدوا في السجون ولا تُسلّم جثامينهم، ومدن كاملة تُقام عليها «صلاة الغائب».


كما قال منير البرش: «في غزة، حتى الموتى مُحاصرون، وحتى الجثامين تُعاقَب». ليست هذه مفارقة عابرة، بل شهادة إنسانية على ميزان عدالة مكسور، لا يرى في الجثة الفلسطينية قيمة تستحق التوقف.


التزام المقاومة.. وانكشاف السردية


من جهتها، أكدت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن استعادة جثة آخر أسير إسرائيلي تُغلق هذا الملف بالكامل، وتؤكد التزامها ببنود اتفاق وقف الحرب ومسار صفقة التبادل، في مقابل استمرار خروقات الاحتلال التي تجاوزت 1300 خرق.


بعد العثور على جثة “غفيلي”.. حماس تطالب الاحتلال بتنفيذ استحقاقات اتفاق وقف النار

لا مبرر للمساس بحرمة الموتى


من جهته عبر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن قلقه البالغ إزاء عمليات نبش القبور الواسعة التي يجريها الجيش الإسرائيلي شرقي مدينة غزة، بحجة البحث عن جثة آخر الأسرى الإسرائيليين في القطاع، مشددًا على أن هذه الذريعة لا تمنح أي مبرر للمساس بحرمة الموتى الفلسطينيين أو العبث بقبورهم أو رفاتهم، وأن أي أعمال بحث يجب أن تُقيد بأضيق نطاق ممكن وبضمانات إنسانية صارمة وتحت إشراف دولي محايد.


وأشار الأورومتوسطي إلى أن إسرائيل عملت خلال العامين الماضيين بشكل منهجي على تدمير المقابر في قطاع غزة ونبش القبور وتخريبها، والعبث بالجثامين والتمثيل بها، وسلب عشرات منها.


إسرائيل تنتهك بشكل منهجي حرمة الأموات ومقابرهم، وتخالف مبادئ القانون الدولي الإنساني وقواعد الحرب التي توجب حماية المقابر أثناء النزاعات المسلحة، ومعاملة جثامين الموتى باحترام، وصون قبورهم ومنع التمثيل بالجثامين أو العبث بهاhttps://t.co/urbS8Ei9wx


— المرصد الأورومتوسطي (@EuroMedHRAr) January 26, 2026

وطالب المرصد الأورومتوسطي بوقف عمليات نبش القبور وتجريفها فورًا، وعدم تنفيذ أي إجراءات بحث بشكل أحادي، وضمان أن يخضع أي ادعاء بالبحث لقيود صارمة ومكتوبة وعلنية تتضمن تحديد نطاق العمليات بدقة وبأقل تدخل ممكن، وبحضور جهة محايدة مختصة مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مع توثيق كامل لكل عملية فتح قبر وتحديد القبور المستهدفة وإحداثياتها، ومنع نقل أي رفات إلى خارج القطاع، وإعادة الدفن في الموقع ذاته دون أي تغيير، وإعادة تأهيل المقابر المتضررة بما يصون حرمة الموتى وحقوق عائلاتهم.


كما شدد على ضرورة اضطلاع المحكمة الجنائية الدولية ولجان التحقيق الأممية المختصة بدورها في التحقيق بالتدمير المنهجي للمقابر الفلسطينية وسلب الجثامين ضمن ملفات التحقيق في الجرائم التي تركبها إسرائيل في قطاع غزة، لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب وصون حرمة الموتى وكرامتهم.


في المحصلة، لا يكشف هذا المشهد عن عملية عسكرية فحسب، بل يفضح منظومة أخلاقية مختلة، تُقدّس جثة، وتُهين آلاف الجثامين، وتُثبت أن ما يجري في غزة ليس مجرد حرب، بل جريمة إنسانية مستمرة، تُرتكب على مرأى من عالم لا يتحرك إلا حين يكون الضحية إسرائيليًا.


المركز الفلسطيني للإعلام


إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال