الشريط الإخباري

الجهل والتجهيل في العالم العربي صناعة من؟

الجهل والتجهيل في العالم العربي صناعة من؟ 


كتب/حسين محمد الخرشه



لماذا تبدو الأشياء تافهة؟

#يقول المؤرخ في جامعة ستانفورد روبرت بروكتور:- ( "نحن نعيش في عالم من الجهل المتطرف. والغريب أن أي نوع من الحقيقة يمر عبر الضّجيج، على الرغم من أن المعرفة متاحة، ولكن هذا لا يعني أنه تم الوصول إليها، علماً أنَّ معظم الأشياء تبدو تافهة") .

إن دول العالم المتقدّم تعيش سباقا نحو نهضة علميّة غير مسبوقة، وصارت الدراسات والتخصصات العلميّة في هذه الدول متعددة ومتنوّعة، وباتت الجامعات والمعاهد العلميّة تتبارى في تقديم مختلف البرامج الهادفة لتحقيق المزيد في مجالات العلوم والتكنولوجيا ، وصارت مراكز البحوث والدراسات العلمية تتسابق في نشر مشاريع متقدّمة، والكثير منها متاح لمن أراد القراءة والاطّلاع،  في المقابل، وأمام كلّ هذا الوهج العلميّ، نرى حالةً من الجهل تخيّم فوق ربوع بلداننا العربية مجتمعاتنا وتضرب أسافينها وخوازيقها في عقولنا ، 

#إن  التباين الكبير بين المشهدين يدعونا  للتوقف والتأمل مليا لماذا نحن هكذا؟ ، 

#الجهل نوعان؛ - الأول هو الجهل الذاتي، وهو ما ينتجه الإنسان بنفسه وهذا منتشر والحمد لله ومستقر بيننا .

 #النوع الثاني :- فهو الجهل الصناعي، أو علم صناعة الجهل، أو ما يطلق عليه "علم الجهل"، إذ يتمّ نشره بأحدث الطرق والوسائل العلميّة، ليكون بضاعة مصنّعة، ونتاجاً لبرامج وبحوث ودراسات علميّة، تُحوّل إلى سلعة وتعرض وتسوّق في متاجر السياسة والسياسيين ، ليكون المستهلك قطعانا من المجتمع، لا يفقه خطورة البضاعة وحجم الكارثة التي حلت وستحلّ به. 

#لقد بدأت فكرة "علم الجهل في مجتمعاتنا " تظهر إلى العيان بعد الحرب العالمية الأولى وزوال ابشع إستعمار بالتاريخ (الإحتلال العثماني الهمجي) وحلول مستمرين جدد متحالفين مع حكام من بني جلدتنا يحكموننا لصالح اسيادهم الجدد (بريطانيا وفرنسا ثم الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية) ، بعد أن مهدت بريطانيا العظمى الطريق لذلك منذ بداية القرن الثامن عشر حين اسست الحركة الوهابية ضمن أسس ومعايير وضعتها وزارة المستعمرات البريطانية للسيطرة على المنطقة العربية لموقعها الإستراتيجي وثرواتها الطبيعية. 

#أنّ هذه الأمور المفتعلة،وخلق صراعات طائفية ومذهبية وقبلية وعرقية وجهوية من أجل خلط الأوراق على المجتمعات العربية وإشغالها عن وضع خطط تنموية مستدامة تشمل الأوطان والإنسان والإبقاء على هذه المجتمعات إستهلاكية متخلفة ليس بإستطاعتها صنع النعال الذي تحتذية ولا العقال الذي ترتدية. 

#قال بروكتور:- ("كنت اعكف على دراسة للجهل الذي تصنعه الدول الصناعية من أجل بيع منتجاتها. وجدت أن الجهل قوة كبيرة، ويتعلّق المصطلح الجديد بإشاعة الجهل عن سبق الإصرار. وبدراسة ذلك، اكتشفت أسرار عالم العلوم السرية، وبتّ على قناعة بأن على المؤرخين منح هذا الأمر اهتماماً أكبر".) 

#يؤكّد هذا المؤرخ  أنّ أفضل وسيلة لنشر الجهل تتمثّل في خلق مناخ يتمّ فيه التّشجيع والحثّ على النقاش أو حتى الصراع، على شرط أن يكون متكافئاً ومتوازناً بين فكرتين أو جبهتين، وأن لا يسمح لأحدهما بالتفوّق والغلبة على الآخر، بل الإبقاء على حالة التكافؤ بين وجهتي النّظر، لتكون النتيجة في الغالب هي غياب النتيجة، وهذا هو المطلوب.

#الجهل، إذاً، هو قوّة من حيث إنّك لا تستطيع التعامل معه إلّا من خلال علمٍ، ومن خلال معاينة المعلومات المعرفية، ومن ثم التحكّم بها وتوجيهها سلباً أو إيجاباً، فالجهل، وإن كان نتاجاً طبيعياً لحالة التردّي في المنظومات التعليمية، والانحطاط الذي تشهده الجامعات العربيّة، لكنّه في المقابل يمثّل نتاجاً لعمليّة فعليّة أُسّست وفق منهج علميّ. 

#هذا المنهج بدأ يتعمّق أكثر ويتّسع ليتمّ استخدامه في الأوساط السياسية والاقتصادية والأكاديمية والاجتماعية ، وحتى الإعلاميّة. وأصبح البعض يعرّفه بـ"إدارة الإدراك"، وهو أسلوب يتّبع التضليل والخداع، من خلال نشر بعض الحقائق وإخفاء البعض الآخر، باستخدام تقنيّات وفنون ومهارات عالية الدقة، بغية خلق حالة من التشويش والإرباك لدى المتلقّي.(وهذا ماتقوم به التيارات الدينية المتأسلمة والمتطرفة) . 

#إنّ علم الجهل أو صناعة الجهل أو إدارة الإدراك كلّها مسمّيات لعلمٍ تقنيّ يقوم بإنتاج معلومات مزيّفة ونشرها على أنّها حقائق، ومحو حقائق ثابتة معتبراً أنّها مزيّفة، وهو يعتبر من أهمّ الأدوات التي يستخدمها الحاكم الدكتاتور المستبد والسلطات الدينية الخادمة له المهيمنة من أجل تطبيق مبدأ التجهيل وإدارة الأفهام الإنسانية، كمنهج لتدجين العوام والرعاع والغوغاء والدهماء من الناس وتحويلهم إلى قطعان من الأجيال الخانعة لايهمها سوى العلف والتزاوج .

#إنها مناهج تعليم لا تقرأ من خلالها إلا الانحطاط ورداءة الخلق، وأسلوب لبثّ الطائفية والمذهبية والقبلية البغيضة وزرع حالة الرّعب في النفوس ، وزعزعة الاستقرار، وإثارة الشكوك، وإدخال الفرد في متاهات ومطبّات تمنع عنه الحلول، ليترك وحيداً في حال من التّخبّط والحيرة، ولتكون قراراته بعد ذلك انفعاليّة غير مدروسة، تعكس حجم الضغوط النفسية وغياب المعلومات الصّحيحة. 

#وعندما نقف أمام نظم استبداديّة تُسمّي نفسها سياسية، لا بدّ لنا من أن نعيد سؤالي بروكتر: كيف ولماذا "لا نعرف ما لا نعرف"؟ 

حينها، سنعرف سبب عدم معرفتنا وجهلنا وانحدارنا. سنعرف كيف أننا لم نعرف، وسنعرف بيقين أنّ ما كانوا يصوّرونه لنا على أنّه علمٌ وتعليم، إنّما هو جهل وتجهيل، وأنّ أكثر المصنّعين لبضاعة الجهل هم ممّن باعوا وطنيّتهم، فتمّ اختيارهم وتأهيلهم بعناية وعلميّة فائقتين في الجامعات الأمريكية والبريطانية ، وهم على أنواع، فمنهم من يقدّم الاستشارات السياسية والاقتصادية والإعلاميّة، متّكئاً على قاعدة "اكذب ثم اكذب ثم اكذب"، ومحصّناً ومؤهّلاً بـ"علم الجهل"، ليبدأ بنشر التّجهيل وبثّ الإشاعات وزرع حالة اليأس، حتى يبدأ المستهلك بتصديقها، بل ويقاتل في الدفاع عنها. 

#نحن أمام حالة مفزعة من الانحطاط والتّردي الذي أصاب مؤسَّسات التعليم عموماً، والجامعات على وجه الخصوص، وحالة الإسفاف والانحدار وفقدان البوصلة، والركون إلى الجهل والتخلّف والرضا بهما، وقد تحول التعليم إلى سلع تجارية تحتكره تيارات الإسلام السياسي والتيارات الدينية التكفيرية فإننا نقف أمام أحد أعمدة الجهل المصنّع. #هو تجهيل أُعدّ بعناية، وشارك في إنتاجه وتمريره أناسٌ قفزوا إلى مجال التّعليم ومواقع اتخاذ القرارات المصيريّة في غفلة من الزّمن، فحوّلوا المناخ التعليمي والجودة في البحث العلميّ وطرق التّدريس إلى مناخ مظلم حالك وأرض جرداء لا تنمو فيها بساتين وحدائق العلم والفكر والمعرفة. 

#لقد كان الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (1884 - 1962) يرى أنَّ نمو العلم إنّما هو نموّ متعرج، لا يسير في خط مستقيم، بل يحدث التقدم فيه من خلال نزاع دائم مع الخطأ، فالحقيقة العلميّة خطأ تمّ تصحيحه، وليس ثمّة قيمة كبيرة لتلك الحقيقة الّتي تظهر منذ البداية واضحة ساطعة متميزة عن كل ما عداها، بل إنّ الخطأ كامن في قلب الحقيقة. 

#لذلك، بات لزاماً على طلاب الإصلاح الوقوف بشجاعة أمام كلّ الطبقات المنتفعة التي يزعجها محو الجهل وعودة العلم والمعرفة. علينا أن نقف حاملين درع ضياء الفكر صفاً واحداً أمام رياح الجهل والظلام، وإلّا ستتحوّل مجتماعتنا إلى "مزارع تفقيس " لتوليد المفاهيم المنحرفة والنظريّات السّقيمة، وسيتوقّف الوعي المفاهيميّ عن العمل، فيتوقّف بعده الإنتاج الفكريّ، ويُمحى الإبداع، ويحلّ محلّه النزاع، لنبدأ بعدها مسيرة الضياع مجدداً.



إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال