سلطة الغياب المؤسسي: كيف فشلت تل أبيب وواشنطن في دفن إرث السيّد نصر الله؟

سلطة الغياب المؤسسي: كيف فشلت تل أبيب وواشنطن في دفن إرث السيّد نصر الله؟


كتب: موسى عباس|الحديدة اكسبرس الإخباري 




حين يغادر الزعماء الكبار تراهن الدوائر الاستراتيجية عادة على نهاية الحقبة. لكن الذكرى الثانية لاستشهاد الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصر الله — والتي شهدت احتفالات حاشدة في بيروت كما في الجنوب والبقاع والشمال — كشفت عن مفارقة كبرى في تل أبيب وواشنطن معا.


 في كيان الاحتلال تحوّلت الذكرى إلى ورشة مراجعة استخباراتية مهووسة باللحظات الأخيرة. وفي واشنطن تحوّلت إلى اعتراف صريح بأن الرهان على الانهيار سقط وأن ما ترك هو مؤسسة صلبة لا تزول بزوال الشخص.


هذا المقال يقرأ الروايتين معا ليصل إلى حقيقة واحدة هي أن الغياب نفسه تحوّل إلى سلطة.


القسم الأول: القراءة الصهيونية - زلزال الاستخبارات وهوس الخنق


شكلت الذكرى محطة مركزية داخل المجمع الأمني لكيان الاحتلال. التغطية في القناتين 12 و13 لم تكن احتفالا بنجاح عسكري بل كانت محاولة للإجابة على سؤال كيف سقط هدف مُحصّن بهذا الحجم.


1. الحرب النفسية الاستخباراتية:


ركز المحللون العسكريون على ما سموه القصة الكاملة والسريّة لعملية النظام الجديد. زعموا أن ضربة البيجر حطمت مفهوم الأمان الهيكلي داخل الحزب وأدخلت القيادة في عزلة شديدة قبل القصف. هذا التركيز يهدف إلى تسويق فكرة أن الاختراق التكنولوجي هو الذي حسم المعركة.


1. استراتيجية الخنق اللاحق:


كشفت التقارير العسكرية المنشورة أن سلاح الجو لم يكتف بإلقاء 83 قنبلة ثقيلة لخرق الملجأ المحصن في حارة حريك بل تعمد قصف محيط البؤرة لمدة 12 ساعة متواصلة لمنع وصول الجرافات وفرق الإنقاذ. التقدير الهندسي الصهيوني كان أن بقاءه حيّاً تحت الأنقاض لساعات وارد، ولهذا كان القرار بقطع أي أمل في الإسعاف. وهي رواية تكشف عقلية الردع  الإجراميّة أكثر مما تكشف تفاصيل تقنية.


1. غياب العدو المُهاب وتآكل الردع النفسي:


هنا يظهر الاعتراف الأهم. "بيوت" الخبرة الأمنية في تل أبيب وصفت نصر الله بأنه الظاهرة الإعلامية الأقوى التي فرضت معادلة ردع سيكولوجية على المجتمع الصهيوني بكلمات معدودة. صحيفة "هآرتس"كتبت:أن غياب هذه الكاريزما ومعها جيل القادة الأول مثل فؤاد شكر وإبراهيم عقيل وعلي كركي وهاشم صفي الدين أفقد الحزب قدرته على التعبئة الجماهيرية الفورية التي كانت تهز الداخل الصهيوني؛ وهو رهان سقط سقوطاً مدوياً أمام الواقع، إذ أثبت المشهد الجماهيري المتجدد أن الروابط الوجدانية والعقائدية للمقاومة تتجاوز الأشخاص لتصبح جزءاً لا يتجزأ من هوية الحاضنة ووعيها الاستراتيجي.


1. تقييم الميدان من الهجوم الردعي إلى التكيّف الدفاعي:


المراسلون العسكريون الصهاينة يتحدثون عن نقطتين. الأولى هي تفتت منظومة المعلومات حيث إن خطط المخازن الاستراتيجية وشبكات الاتصالات المعقدة التي كانت بحوزة الدائرة الضيقة لم توَرّث بالكامل للقيادة الجديدة. والثانية هي الانكفاء التكتيكي من حلم الهجوم البرّي الواسع والصواريخ الاستراتيجية إلى استراتيجية دفاعية تعتمد على الكَرّ والفَر والمُسيّرات المفخخة والعبوات التكتيكية لإعاقة التوغل في الجنوب.


1. الشيخ قاسم تحت المجهر المنسّق في جلباب المرشد:


نالت شخصية الأمين العام الحالي الشيخ نعيم قاسم حيّزاً واسعاً من الإجماع الصهيوني أنه قادم من خلفية تنظيمية وسياسية وثقافية وليس عسكرية ميدانية. ومن هنا يبني التحليل الصهيوني استنتاجا بأن الحزب انتقل من مركزية القرار السيادي اللبناني الذي كان يفرضه نصر الله بوزنه التاريخي داخل محور المقاومة إلى نمط الإدارة الجماعية المتأثرة بشكل مباشر بتوجيهات طهران والحرس الثوري؛ وهي فرضية استخباراتية تهدف حصراً إلى إفراغ استقلالية القرار اللبناني من محتواها، متجاهلة حقيقة البُنية المؤسسية العميقة التي تثبت التكامل لا التبعية.


الخلاصة الصهيونية التي نقلتها شعبة الاستخبارات العسكرية" أمان" في تقييمها لحزب الله بعد استشهاد السيّد نصرالله هي جملة واحدة:" أصيب بجروح بليغة لكنه حَيّ". أي أن الحزب رغم خسارته نصف قوته العملياتية ورموزه كما يقولون لا يزال تنظيما متماسكاً يستنزف جيش الاحتلال على الحدود ويمنع الاستقرار الكامل.


القسم الثاني: القراءة الغربية - من وَهَمْ فراغ القيادة إلى حقيقة المأسسة


إذا كانت الصهيونية مهووسة باللحظات الأخيرة فإن مراكز الأبحاث الغربية في واشنطن وبيروت انشغلت بسؤال الاستمرارية على مدار العامين الماضيين.


• من وهم الفراغ إلى حقيقة المؤسسة:


غداة الاستشهاد سادت لغة التكهنات بأن الحزب مقبل على تفكك دراماتيكي. لكن التقارير المُعَمَقة حتى الذكرى الثانية في عام 2026 تقر بسقوط هذا الرهان تماما. وهنا نستشهد بمرجعين أساسيين: "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" في تحليلاته المتراكمة خلال الأعوام 2024 و2025 و2026 أكد أن حزب الله ليس مجرد حركة مقاومة متكاملة بل هو مشروع اجتماعي وتنموي متكامل بنى شبكة خدمات وقروض وإعمار تفوق كفاءة الدولة اللبنانية نفسها. هذا الإقرار هو الذي يفسر لماذا لم تَنْهَر الحاضنة رغم قسوة الحرب.


 مؤسسة "كارنيغي للسلام الدولي" وعلى لسان مدير الاتصالات والباحث المتخصص في حزب الله"مُهنّدْ حاج علي" صاحب كتاب "الهويّة المؤسسية لحزب الله القومية والعابرة قوميا والإسلام السياسي" تشير بوضوح إلى أن ما ميّز حزب الله هو نظام الحوكمة الداخلية المتعدد. فالحزب انتقل مبكرا من إطار الحركة العقائدية النضالية إلى مصاف المؤسسة الصلبة ذات الهياكل المتعددة كمجلس الشورى والمجلس الجهادي والمؤسسات الرديفة. هذا هو سرّ تجاوز الصدمة الكبرى وانتقال القيادة دون انقسام كما يقول.


1. إرث الردع وقواعد الاشتباك:


مراكز الأبحاث لم تستطع تجاهل أن قواعد الاشتباك التي رسخّها نصر الله بين 1992 و2024 تعرّضت لهزّات كبيرة ولكنّها لم تتداعى ، ورغم محاولة تصوير التحوّل كفرصة لإعادة هندسة الشرق الأوسط وفق الرؤية الصهيونية الأمريكية فإن أوراق كارنيغي نفسها تبدي قلقا بالغا من قدرة البنية الحالية على التكيّف وتقف سدّاً مانعاً محطِماً تلك الرؤية ،الإرث العسكري والسياسي ليس أرشيفاً بل هو العقيدة الناظمة التي يستند إليها الحزب اليوم في مواجهة الضغوط ومحاولات فرض معادلات استسلامية.


1. سقطت مقولة القطيعة الجماهيرية:


هذا هو أعمق فشل للرهان الغربي. افترضت الدوائر الاستخباراتية أن هَوْل الخسائر والضغط الاقتصادي سيدفع البيئة الحاضنة للتخلّي،لكن الذكرى الثانية اليوم وما شهدته من احتشاد غير مسبوق في بيروت والجنوب والبقاع والشمال أثبت العكس تماما. كارنيغي نفسه كان قد كتب في دراسة سابقة أن العلاقة الاستثنائية بين غالبية الشيعة وقيادة الحزب وخاصة نصر الله تقوم على الثقة والطاعة والمحبة وهي رابطة لا تملكها أي طائفة أخرى بهذا العمق. هذه الرابطة تحوّلت بعد الاستشهاد إلى مرجعية وجدانية وثقافية تتجاوز السياسة إلى الهوية والكرامة. الحاضنة لم تظهر تعاطفاً عاطفياً عابراً بل وعياً استراتيجياً بأن الوفاء يمر عبر حماية عناصر القوّة.


1. إخفاق هندسة الوعي الغربي:


المأزق المعرفي لمراكز القرار الغربية في أنها تحاول مقاربة ظاهرة المقاومة بأدوات مادية بحتة "توازن قوى عسكري واقتصادي" عاجزة  عن إدراك ً"البعد الإيماني والمعنوي". محاولات تسويق سرديّة الهزيمة الدائمة في أبواق الإعلام المحلّي والعربي المعادي اصطدمت بصخرة الواقع.


 ما كتبه ضابط استخبارات صهيوني سابق محاولا تشويه صورة الحزب أنه مجرد أداة إيرانية انتهى باعتراف غير مقصود بأن الحزب بنى شبكة خدمات اجتماعية أسرع وأكفأ من الدولة نفسها عند الانهيار الاقتصادي وبعد حرب 2006. فكيف لقوة مقاومة أن تبني مؤسسة من المهد إلى اللحد يثق بها الناس.


القسم الثالث: أفق قواعد الاشتباك في الميدان - استشراف ما بعد الغياب


يمثل الميدان اليوم المحك الحقيقي الذي تختبر فيه البنية المؤسسية الجديدة لقدرتها على صياغة معادلات الردع. إن قراءة مستقبل قواعد الاشتباك في مواجهة كيان الاحتلال تفرض الوقوف على محددات مركزية:


1. ترسيخ حرب الاستنزاف المستدام:


لم تعد قواعد الاشتباك المحكومة بتبادل الضربات التقليدية قادرة على توصيف المشهد؛ فقد انتقل الحزب إلى تكتيك الاستنزاف الممنهج عبر إبقاء الجبهة الشمالية لكيان الاحتلال في حالة عدم استقرار دائمة، مما يعطِل مفهوم الأمن المطلق الذي تبنيه المؤسسة العسكرية للكيان الغاصب.


1. إفشال استراتيجية الحزام الأمني المتقدم:


إن الانكفاء الدفاعي الميداني لم يتحوّل إلى استسلام، بل صيغ بعناية في شكل كمائن محكمة وشبكات نارية مرنة تعرقل أي محاولة لفرض سيطرة برية واسعة، وتجعل كلفة التوغل باهظة سياسياً وعسكرياً على قيادة الاحتلال.


1. تكريس الردع الصاروخي والمسيّرات الموجهة:


رغم الخسائر الهيكلية، تظهر استمرارية إطلاق المُسيّرات والقدرات الصاروخية المتنوعة أن البنية القتالية لا تعتمد على شخص القائد الفرد، بل تستند إلى بُنية لامركزية قادرة على التكيّف الميداني المتواصل وامتصاص الضربات، مما يعيد صياغة قواعد الاشتباك بعيداً عن أوهام السحق السريع التي رَوّج لها رئيس الوزراء الصهيوني .


الخلاصة المُدْمجة: كتاب مفتوح لا يُقْرأ بأدوات التجسُس


القراءة الصهيونية ترى أن التنظيم أصيب بجروح بليغة لكنه حي لأنه انتقل إلى حرب العصابات كما يسميها الكيان.


القراءة الغربية ترى أنه حي لأنه كان مؤسسة قبل أن يكون شخصا.


بين الهوس باللحظات الأخيرة في تل أبيب وسلطة الغياب المؤسسي في واشنطن وبيروت تكمن الحقيقة التي يحاول المقال توثيقها:


السيد حسن نصر الله لم يرحل كصفحة مقتلعة بل ترك كتابا مفتوحا من المؤسسات والعقيدة الصلبة. كيان الاحتلال حاول أن يدفن الكتاب تحت 83 قنبلة و12 ساعة قصف. ومراكز الأبحاث الغربية تحاول اليوم فك طلاسمه بأدوات استخباراتية تقليدية عاجزة عن فهم أن الشرعية المبنية على الإنجاز والخدمة والدم لا تقاس بالحسابات المادية البحتة.


وهنا تكمن سلطة القلم الحقيقية في مواجهة القراءات العابرة: توثيق هذه المحطة بإنصاف بعيدا عن أوهام السقوط التي تُروِّج لها دوائر الهيمنة ووفاءً لرجل جعل من حياته وشهادته عنوانا لا ينكسر.

إرسال تعليق

0 تعليقات