لا تؤجلي الاطمئنان
فرح علي الشهاري|الحديدة اكسبرس الإخباري
______________
لم تترك لنا اسمها، ولا عنوان بيتها، ولا صورة نعلقها على جدار الذكريات. لكنها تركت سؤالا يستحق أن يصل إلى كل امرأة: كم مرة نؤجل الاهتمام بأنفسنا، ونحن نظن أن الحياة ستنتظرنا؟
تخيلوا أن امرأة استطاعت أن تكتب رسالة إلى نساء لم تلتق بهن يوما، لا لتروي حكاية مرضها، بل لتقول ما كانت تتمنى أن تعرفه قبل أن يصبح القلق رفيق أيامها. ربما كانت ستبدأ رسالتها هكذا:
«كنت أظن أن الاهتمام بصحتي يمكن تأجيله حتى أنتهي من مسؤولياتي. كنت أؤمن أن أطفالي يحتاجون إلي أكثر مما أحتاج أنا إلى الراحة، وأن البيت لا يحتمل غيابي. لم أكن أجهل قيمة الحياة، لكنني نسيت، وسط انشغالي بحياة الآخرين، أن لي حياة تستحق الاهتمام أيضا».
«وحين لاحظت تغيرا غير مألوف في جسدي، بحثت عن سبب يجعلني أتجاهله. قلت إنها مسألة عابرة، وإن زيارة الطبيب يمكن أن تنتظر. كنت أؤجل السؤال، ظنا مني أنني أؤجل الخوف. ولو عاد بي الزمن، لكنت أكثر رحمة بنفسي، ولأدركت أنني لست مطالبة بمعرفة ما يحدث داخل جسدي، لكن من حقي أن أطلب المساعدة لأعرف وأطمئن».
قد تكون هذه الرسالة متخيلة، لكنها تشبه واقعا تعيشه نساء كثيرات، حين تصبح مسؤوليات الأسرة أو ضيق الحال أو صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية أسبابا لتأجيل الاهتمام بالصحة.
والحقيقة أن سرطان الثدي لا يعلن عن نفسه دائما بالألم. فقد تظهر كتلة أو سماكة غير معتادة، أو تغيرات في حجم الثدي أو شكله، أو في الجلد أو المنطقة الأمامية منه، أو إفرازات غير طبيعية. وليس معنى ظهور هذه العلامات الإصابة بالسرطان، فمعظم كتل الثدي ليست سرطانية، لكن معرفة السبب تستدعي تقييما طبيا دون تأخير.
ولعل أكثر ما يستحق أن نغيره في وعينا هو تلك الصورة التي تجعل سرطان الثدي مرادفا للنهاية. فالمرض ليس حكما محتوما بفقدان الحياة، والتشخيص المبكر، متبوعا بالعلاج المناسب، يحسن فرص التعافي ونتائج العلاج. كما أن الإصابة لا تعني بالضرورة استئصال الثدي بالكامل، فالخيارات العلاجية تختلف بحسب طبيعة الحالة ومرحلتها.
لكن الرسالة أوسع من الحديث عن الأعراض والعلاج؛ إنها رسالة إلى مجتمع اعتاد أن يرى المرأة مصدرا للعطاء، حتى نسي أحيانا أنها تحتاج إلى من يعتني بها أيضا. إلى الأبناء الذين يعرفون كيف تناديهم أمهم حين يمرضون، لكنهم قد لا يعرفون كيف يسألونها عما تخفيه من تعب. وإلى الزوج الذي يطمئن إلى أن زوجته بخير ما دامت تبتسم، دون أن يدرك أن بعض الابتسامات تخفي قلقا لا تجد صاحبته الكلمات للتعبير عنه.
إن المرأة لا تحتاج إلى أن نحيطها بالخوف من السرطان، بل بالمعرفة والطمأنينة والمساندة. أن نمنحها مساحة آمنة للحديث عن صحتها، وأن نساعدها على الوصول إلى الرعاية الطبية، وأن ندرك أن الاهتمام بها ليس أمرا ثانويا يأتي بعد انتهاء مسؤوليات الحياة.
وفي الحملة الوطنية الثالثة عشرة للتوعية بسرطان الثدي، التي ينظمها صندوق مكافحة السرطان تحت شعار «الوعي حماية»، نريد أن تصل هذه الحقيقة إلى كل بيت؛ أن تعرف المرأة أن العناية بصحتها ليست أنانية، وأن طلب المساعدة ليس ضعفا، وأن الخوف من نتيجة الفحص لا ينبغي أن يحرمها من فرصة المعرفة في الوقت المناسب.
فالوعي لا يقاس بعدد المنشورات التي نشاركها، بل بما يتغير في سلوكنا بعدها. وما قيمة أن نكتب عن صحة المرأة، ثم لا نصغي إليها حين تتحدث عن قلقها؟ وما جدوى أن نردد أهمية الكشف المبكر، ثم نترك من نحبها تواجه وحدها صعوبة الوصول إلى الطبيب؟
وفي نهاية رسالتها المتخيلة، ربما كانت المرأة ستكتب: «لا تنتظروا حتى تصبح صحة المرأة حكاية يرويها الآخرون، لتتذكروا أنها كانت تستحق الاهتمام منذ البداية».
فثمة حياة كاملة وراء كل امرأة، وأحلام لم تتحقق بعد، وضحكات تنتظر أيامها المقبلة. ولأن هذه الحياة تستحق، فلنجعل الوعي عادة، والاهتمام فعلا، والمساندة حقا لا تنتظره المرأة حتى تطلبه.
لا تؤجلي نفسك... فأنت أيضا تستحقين الحياة التي تمنحينها للآخرين.
#الحملة_الوطنية_الثالثة_عشر_للتوعية_بسرطان_الثدي
#الوعي_حماية

0 تعليقات