بين شاقوف الاحتلال وسندان التواطؤ: فلسطين ولبنان في مواجهة الحصار

 بين شاقوف الاحتلال وسندان التواطؤ: فلسطين ولبنان في مواجهة الحصار

كتب: موسى عبّاس |الحديدة إكسبرس الإخباري 


مأساة راسخة الجذور


ليست معاناة فلسطين ولبنان وليدة اللحظة ولا نتيجة حرب عابرة، بل هي إفراز مباشر لمشروع استعماري استيطاني زرع في قلب المنطقة، ويقتات على الدعم المفتوح سياسياً وعسكرياً واقتصادياً من منظومة غربية تقودها واشنطن. وما يزيد المأساة عمقاً أن هذا العدوان الخارجي يكتمل بتواطؤ إقليمي ومحلي مقيت؛ بين أنظمة تتآمر وتشارك في فرض الحصار، وأخرى تتخاذل عن النصرة، وصولاً إلى قوى محلية لا تهادن المحتل فحسب، بل تتطوع لخنق المقاومة التي تدافع عن كرامة الأمة وأرضها.


أولاً: غزة... عنوان الإبادة الموثقة


ما جرى ويجري في قطاع غزة ليس حرباً تقليدية، بل هو إبادة جماعية ممنهجة وموثقة أمام مرأى العالم أجمع.


تشير الإحصائيات الرسمية والتقارير الحقوقية إلى ارتقاء عشرات آلاف الشهداء والجرحى والمعاقين – الجزء الأكبر منهم من النساء والأطفال وكبار السن – فضلاً عن آلاف الضحايا الذين قضوا جراء التجويع، ونقص الدواء، والانهيار المتعمد للمنظومة الصحية.


لقد دمر الاحتلال أكثر من ثمانين بالمئة من مقومات الحياة؛ من منازل ومستشفيات ومدارس وجامعات وبنى تحتية، مهجّراً نحو مليوني إنسان داخل رقعة جغرافية ضيقة، ليعيشوا بلا ماء ولا كهرباء ولا صرف صحي، في مشهد يسقط كل شعارات حقوق الإنسان الدولية.


ثانياً: الضفة الغربية والقدس... حرب صامتة وتهويد ممنهج


ما تكشفه جبهة غزة يغطي على ما يجري في الضفة والقدس، وهو لا يقل عنه خطورة، إذ يمثل جوهر المشروع الصهيوني القائم على الإحلال والضم.


يعيش أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني تحت احتلال عسكري مباشر يقطعه مئات الحواجز والجدار العنصري، وتستبيحه مئات المستوطنات المدججة بالمستوطنين المسلحين. ومنذ أكتوبر 2023، تصاعدت اقتحامات المدن والمخيمات (جنين، نابلس، طولكرم، ورام الله) مترافقة مع آلاف المعتقلين والشهداء، واعتداءات يومية للمستوطنين بحماية الجيش لتفريغ الأراضي. وفي القدس، تتواصل سياسات التهويد، وهدم المنازل، والاقتحامات يومية للمسجد الأقصى لفرض التقسيم الزماني والمكاني.


ثالثاً: السلطة الفلسطينية... أين تقف في معركة المصير؟


هنا يكمن الجرح الأعمق؛ ففي الوقت الذي يواجه فيه أبناء الضفة والقدس آلة الحرب التابعة للكيان الغاصب، يجد الفلسطيني نفسه محاصراً من سلطة فُرض عليها أن تمثله:


التنسيق الأمني المعلن:تصر قيادات أمنية وسياسية في السلطة على استمرار ما تسميه "التنسيق الأمني المقدس" مع المحتل؛ وهو ما يتجسد عملياً في تبادل المعلومات، وملاحقة المقاومين، واعتقال المطاردين، ومصادرة سلاحهم تحت ذريعة "السلاح غير الشرعي".

التواطؤ في الحصار والسياسة: ساهمت سياسات السلطة في تعميق حصار غزة عبر تقليص الرواتب والإجراءات الاقتصادية، فضلاً عن الانخراط في الغرف المغلقة مع سفارات غربية وعربية لرسم خطط "اليوم التالي لغزة" القائمة على إقصاء المقاومة ونزع سلاحها، وقمع أي تحركات شعبية تضامنية في الضفة.

رابعاً: لبنان بين العدوان الصهيوني والحصار الداخلي


يواجه لبنان عدواناً استراتيجياً متواصلاً استهدف جنوبه وبقاعه وضاحيته الجنوبية بمختلف أنواع الأسلحة المحرمة دولياً، بهدف خلق حزام أمني خالٍ من الحياة وتهجير أهله.


لكن الخطر الموازي يكمن في الجبهة الداخلية اللبنانية؛ حيث تعاملت قوى سياسية ومصارف متعاقبة مع المقاومة – التي حررت الأرض وحمت السيادة – كعبء يجب التخلص منه نزولاً عند إملاءات خارجية. وشهدت المصارف اللبنانية، بضغط أمريكي وغربي مباشر، تجميد حسابات جمعيات ومؤسسات أهلية واجتماعية تقدم خدمات لبيئة المقاومة، بينما تتبارى منصات إعلامية بتمويل مشبوه في تبني الرواية الصهيونية وتحميل المقاومة وزر العدوان.


خامساً: السفارات وغرف العمليات الدبلوماسية


لم تعد السفارات الغربية وبعض البعثات العربية في بيروت ورام الله مجرد ممثليات دبلوماسية، بل تحولت إلى غرف عمليات استخباراتية وسياسية تدير معركة شيطنة المقاومة عبر:


تمويل حملات إعلامية وسياسية موجهة للتأثير على الرأي العام والتحريض على نزع السلاح.

تقديم لوائح جاهزة للعقوبات بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأمريكية لاستهداف شخصيات ومؤسسات وطنية.

الضغط المستمر على المؤسسات الرسمية والقضائية والعسكرية لتقويض أي حاضنة وطنية للمقاومة وتأجيج الفتن الداخلية.

سادساً: الحصار الشامل تحت يافطة "مكافحة الإرهاب"


اكتملت الحلقة الإقليمية والدولية عندما توحدت عواصم القرار الغربي والعربي على شيطنة خيار المقاومة ووصمه بالإرهاب. وتورطت هذه المنظومة في تجفيف منابع التمويل، وحظر أي دعم إنساني أو عسكري، وإغلاق الأبواب الدبلوماسية في المحافل الدولية، في مقابل فتح المخازن الاستراتيجية للأسلحة الأمريكية ولدولة الاحتلال لقتل أطفال فلسطين ولبنان دون رادع.


 حتمية الزوال والانكسار


إن ما يعانيه لبنان وفلسطين اليوم هو مرآة فاضحة لنظام إقليمي رسمي مختل، يتقدمه كيان غاصب يمعن في القتل، وأنظمة متواطئة أو متخاذلة، وسلطات محلية تحولت إلى وظيفة أمنية لحماية الاحتلال ومحاربة شعوبها.


غير أن التاريخ والسنن الواقعية يؤكدان أن كل احتلال إلى زوال مهما طال أمد الدعم والاستقواء. وكما انكسر الاحتلال وتحرر الجنوب عام 2000 بفضل وعي المقاومة وصلابة حاضنتها، فإن مشاريع الهيمنة والتطبيع والتواطؤ ستتحطم أمام صخرة صمود الشعبين الفلسطيني واللبناني، وسقوط أوهام الحياد المزيّف.

إرسال تعليق

0 تعليقات