انهيار أسوار القلعة الرأسمالية: زلزال الاحتجاجات والفوضى يهز عروش القارة الأوروبية من أساساتها

  انهيار أسوار القلعة الرأسمالية: زلزال الاحتجاجات والفوضى يهز عروش القارة الأوروبية من أساساتها


نبيل الجمل /الحديدة اكسبرس الإخباري 


تشهد القارة الأوروبية، وفي طليعتها الجمهورية الفرنسية، زلزالاً بنيويًا واضطرابات مجتمعية عارمة تفجرت في شوارعها ومدنها لتتحول إلى فوضى عارمة وموجة احتجاجات غير مسبوقة. لم يعد المشهد مجرد حراك نقابي عابر أو احتجاجات مطلبية تقليدية، بل أسفر عن ثورة اجتماعية كبرى تكشف عورات وتآكل نموذج الدولة الرأسمالية الليبرالية في عرينها التاريخي. من العاصمة الفرنسية باريس ومدنها المشتعلة إلى شوارع إسبانيا، إيطاليا، البرتغال، وألبانيا. تخرج الجماهير الغاضبة لتعلن بصوت واحد رفضها القاطع لسياسات التجويع والإفقار والتقشف، متخطية كافة الخطوط الحمراء التي رسمتها الأنظمة الحاكمة وأجهزتها البوليسية القمعية.


وتتجسد خريطة الميدان المشتعل في البركان الفرنسي الذي انطلق من قطاع التعليم والمدارس الثانوية والجامعات منددًا بانهيار البنية التحتية ونقص الكوادر، ليلتحم بسرعة البرق مع النقابات العمالية وقوى اليسار الجذري وجماهير الضواحي المهمشة. وقد تحولت مدن كبرى مثل باريس، ليون، مارسيليا، وبوردو إلى ساحات مواجهات عنيفة مع قوات الأمن التي استخدمت الهراوات والغاز المسيل للدموع وفرضت حظر التجوال وحملات اعتقال طالت الآلاف. وفي ذات السياق، يضرب طوفان الغضب شبه الجزيرة الإيبيرية؛ حيث تحولت مدريد ومدن إسبانية أخرى إلى نقاط اعتصام مفتوحة بوجه أزمة السكن الطاحنة والإيجارات الفلكية التي طردت الشباب نحو التهميش، بالتزامن مع انتفاضة عمالية وطلابية صاخبة تجتاح المدن الإيطالية (تورينو، بولونيا، وميلانو) تنديدًا بتآكل الأجور وانهيار منظومة الصحة والتعليم تحت وطأة غلاء المعيشة والتضخم المتوحش.


ولا تنفصل هذه الانفجارات المجتمعية عن جذورها السياسية والاقتصادية والطبقية؛ فالأنظمة الأوروبية تتداعى اليوم تحت وطأة سياسات الرأسمالية المتوحشة والتبعية المطلقة للقرار الاستراتيجي الأمريكي. فمن جهة، أدى التضخم وأزمة تكاليف المعيشة إلى سحق القدرة الشرائية للطبقات العاملة والكادحة، بينما حوّلت الاحتكار العقاري أسواق الإسكندرية إلى جحيم معيشي. ومن جهة أخرى، يرى الشارع الأوروبي أمواله وجهد أبنائه يُهدران لتمويل حروب إمبريالية وسباق تسلح وخدمة سياسات حلف الناتو الخارجية بناءً على إملاءات واشنطن، على حساب قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، وهو ما ترجمته شعارات الجماهير الصارخة: **"أموالنا للمدارس والمستشفيات، لا للحروب والتسلح!"**، وسط سقوط ذريع لشرعية الطبقة السياسية الحاكمة التي باتت تلجأ للقبضة البوليسية لحماية مصالح البنوك والشركات العابرة للقارات على حساب لقمة عيش مواطنيها.


وعلى خطى التوجيه والتأطير، تقف الطبقة العاملة والطلاب والمهمشون كقوة حقيقية ومحركة لهذا الحراك، مدعومين بنقابات وقوى يسارية جذرية ترفض المساومات الفوقية والفتات الحكومي. وفي المقابل، تحاول قوى اليمين المتطرف ركوب الموجة وتحريف بوصلة الغضب نحو نعرات عنصرية ومعاداة للمهاجرين لحماية النظام الرأسمالي من السقوط. ومن منظور التحليل الثوري العميـق، تمثل هذه الاحتجاجات نبوءة سقوط النظام الرأسمالي الإمبريالي من الداخل؛ فالأزمات التي تعصف بأوروبا هي الارتداد العكسي لسياسات نهب ثروات الشعوب والحروب الاستعمارية التي مارستها هذه القوى تاريخياً ضد العالم المستضعف.


إن الدول الأوروبية التي طالما صدرت الفوضى والدمار إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، تتجرع اليوم ذات الكأس من صنع أيديها، حيث تنعكس تكاليف هيمنتها والتبعية لواشنطن على شكل انفجار اجتماعي داخلي عارم لا تفتته الحلول الأمنية. لقد سقطت أقنعة الديمقراطية البرجوازية، وتأكد أن التغيير الحقيقي والعدالة الاجتماعية لن يحققا عبر صناديق الاقتراع الخاضعة لدوائر المال والأعمال، بل عبر النضال الميداني المستدام، والاعتصامات، والإضرابات العامة العابرة للقطاعات، في مسار ثوري تاريخي يؤكد أن عروش الاستغلال تهتز بعنف، وأن شعوب القارة العجوز قد بدأت بالفعل مسار اقتلاع جذور الاستبداد والتبعية.

إرسال تعليق

0 تعليقات