ثلاثة أعوام على السابع من أكتوبر: الحرب على غزّة وتحولات المشهد الفلسطيني والدولي
(وثيقة توثيقية)
كتب: موسى عبّاس | خاص
الحديدة اكسبرس الإخباري
تدخل الحرب الممتدة على قطاع غزة عامها الثالث، محطةً زمنية فارقة أعادت صياغة القضية الفلسطينية برمتها. فما بدأ كمواجهة محصورة في غزة، تحول إلى صراع متعدد الجبهات غيّر قواعد الردع، وكشف عجز المنظومة الدولية، وصنع وعياً عالمياً جديداً.
1. الجغرافيا الفلسطينية الممزقة.. دمار شامل واستهداف وجودي
1.1 قطاع غزة:
حرب إبادة ممنهجة أتت على أكثر من 70% من البنية التحتية حسب تقارير الأونروا ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية. أكثر من مليوني مهجر داخل الخيام، حصار وتجويع ممنهج، وتصنيف أممي للقطاع كمنطقة غير قابلة للعيش.
1.2 الضفة الغربية:
استغل الاحتلال الانشغال بغزة لتسريع الضم الفعلي؛ اقتحامات يومية لجنين وطولكرم ونابلس، إرهاب مستوطنين منظم بحماية الجيش، ونصب أكثر من 700 حاجز عسكري جديد حوّل المدن إلى معازل مغلقة.
1.3 الداخل المحتل عام 1948:
حملات ملاحقة أمنية وقمع رقمي وسياسي غير مسبوق، شملت اعتقالات وفصل طلاب وموظفين لمجرد منشور تضامني على وسائل التواصل الاجتماعي.
1. معضلة الحلول الفاشلة واستمرار العدوان
تحطمت كل المبادرات، ومشاريع اليوم التالي، وقرارات مجلس الأمن، ومحكمة العدل الدولية أمام التعنت المدعوم بالفيتو الأمريكي. فقد وفر استمرار الدعم العسكري والغطاء الدبلوماسي حصانةً سمحت بقصف مراكز الإيواء والمستشفيات، وتوسيع نطاق الحرب لتشمل لبنان واليمن وسوريا.
1. الموقف الرسمي العربي والإقليمي.. من التخاذل إلى التواطؤ الموثق
3.1 الجسر البري الإماراتي السعودي الأردني: كشف موقع "واللا" العبري في ديسمبر 2023 عن نجاح تجربة جسر بري جديد؛ إذ انطلقت أول عشر شاحنات محملة بمواد غذائية طازجة من موانئ دبي عبر السعودية والأردن إلى ميناء حيفا، كبديل عن البحر الأحمر بعد حصار الحوثيين لباب المندب. المشروع يدار عبر منصة "Trucknet" وشركتي "Puretrans" و"DP World" الإماراتيتين، بموافقة وزارة الأمن التابعة لكيان الاحتلال. وبلغت المسافة 2550 كيلومتراً من دبي إلى حيفا قطعتها الشاحنات في أربعة أيام، بتكلفة 1.2 دولار للكيلومتر الواحد.
3.2 منظومة الدفاع الجوي المشترك: في 13 و14 أبريل 2024 وفي يونيو 2025، شاركت دول عربية في التصدي للصواريخ والمسيرات القادمة من إيران واليمن:
أ. اعتراف الأردن علناً باعتراض مسيرات في أجوائه تحت ذريعة الدفاع عن السيادة.
ب. بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، وموقع "آي 24 نيوز"، وصحيفة "إسرائيل هيوم"، مررت السعودية والإمارات معلومات رادارية واستخباراتية لواشنطن، وفتحتا مجالهما الجوي للمقاتلات الأمريكية، وشارك سلاح الجو السعودي بمروحيات لإسقاط مسيرات فوق العراق والأردن قبل وصولها إلى أهدافها.
3.3 الممر التركي والثغرة النفطية:
أ. قبل الحظر: من أكتوبر 2023 إلى مايو 2024، تحركت 701 سفينة بين تركيا وموانئ كيان الاحتلال بحسب بيانات وزارة التجارة التركية، بمعدل ثماني سفن يومياً، وبقيمة بلغت 2.3 مليار دولار.
ب. الشهادة البرلمانية: صرح النائب مصطفى كايا عن حزب السعادة في البرلمان التركي بأن أكثر من 300 سفينة ومئات طائرات الشحن تنطلق من الموانئ التركية حاملة النفط والوقود والحديد والأسمنت، مبيناً أن الفولاذ التركي يشكل 65 بالمئة من حاجة السوق الاستيطانية، في حين قوبل طلبه بالتدقيق بالرفض من نواب حزب العدالة والتنمية.
ج. التوثيق الصحفي بعد الحظر الرسمي في 2 مايو 2024: نشر الصحفي متين جيهان وثائق شحن لشركات مقربة من السلطة؛ تشمل شركة "مانتا" المملوكة لنجل أردوغان، وشركة "أوراس" لنجل بن علي يلدريم، وسفينة "هاتاي رو رو" التابعة لقيادي في حزب العدالة والتنمية، وشركة "زورلو" المورد الرئيسي للكهرباء لكيان الاحتلال.
د. وثقت صحيفة "قرار" التركية سفينة "راموس" المحملة بالإسمنت لصالح شركة "إيتش داش"، والتي وصلت إلى حيفا في 10 سبتمبر 2024، إضافة إلى سبع سفن وصلت في غضون ثلاثة أيام فقط من مرسين وتوزلا وبارتين إلى أشدود وحيفا.
هـ. ثغرة النفط الأذربيجاني: بحسب وكالة "رويترز" وشركة تتبع السفن "Kpler"، وعلى الرغم من الحظر التركي، قفزت واردات كيان الاحتلال من نفط أذربيجان عبر ميناء جيهان التركي -نهاية خط باكو تبليسي جيهان- بنسبة 31 بالمئة في عام 2025 لتصل إلى 94 ألف برميل يومياً، وهو أعلى مستوى تسجله في ثلاث سنوات. وتؤكد منظمة "Oil Change International" أن 70 بالمئة من نفط كيان الاحتلال مصدره أذربيجان وكازاخستان عبر جيهان، بينما تنكر أنقرة تحكمها بوجهة النفط استناداً إلى اتفاقيات دولية.
و. المسار البحري عبر المتوسط: أشارت تقارير تتبع السفن إلى مرور شحنات عبر مضيق جبل طارق وتوقفها في المغرب قبل توجهها إلى حيفا.
1. الآثار الداخلية المباشرة على كيان الاحتلال
أحدثت سنوات الحرب الثلاث تصدعات عميقة وبنيوية في المنظومة الداخلية لكيان الاحتلال، متجاوزة الخسائر الميدانية المباشرة لتطويق مفاصل الدولة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية:
4.1 النزف الاقتصادي والعجز المالي: تكبد اقتصاد كيان الاحتلال خسائر غير مسبوقة بسبب التجنيد الواسع لقوات الاحتياط، وتعطل قطاعات حيوية كالسياحة، والبناء، والتكنولوجيا المتقدمة، فضلاً عن الميزانيات الهائلة المخصصة للمجهود الحربي وتعويضات المستوطنين النازحين من الشمال والجنوب، مما أدى إلى عجز ضخم في الميزانية وتخفيض التصنيف الائتماني.
4.2 أزمة الجيش البنيوية واستنزاف الاحتياط: واجه جيش الاحتلال أزمة حادة في القوى البشرية ونقصاً ملحوظاً في أعداد الجنود نتيجة القتلى والجرحى والأزمات النفسية العميقة، ما أفرز انقسامات حادة حول قانون التجنيد وإعفاء اليهود المتشددين (الحريديم)، وكشف هشاشة الاعتماد على جيش الاحتياط في حروب استنزاف طويلة الأمد.
4.3 الهجرة المعاكسة وتآكل الشعور بالأمان: شهد الكيان تصاعداً ملحوظاً في معدلات الهجرة المعاكسة نحو الخارج، وتزايد حالة التصدع الاجتماعي الداخلي والاحتجاجات المستمرة ضد حكومة اليمين المتطرف لفشلها في استعادة الأسرى وإدارة الحرب، فضلاً عن فقدان المستوطنين الثقة المطلقة بقدرة المنظومة الأمنية على توفير الحماية.
1. انتفاضة الأقلام والعدسات.. الإعلام الغربي المناهض للصهيونية
5.1 تفكيك البروباغندا ونشر تحقيقات تدحض الرواية العسكرية لكيان الاحتلال.
5.2 أنسنة المعاناة عبر البث المباشر من الهواتف المحمولة بعيداً عن رقابة الإعلام التقليدي.
5.3 تحويل صورة الكيان من "الدولة الديمقراطية الوحيدة" إلى كيان منبوذ مرتبط بالمجازر وقصف المستشفيات.
1. العزلة الدبلوماسية.. فضيحة منبر الأمم المتحدة
ترجم الشرخ الشعبي إلى عزلة سياسية تجلت في انسحاب جماعي تاريخي لوفود عشرات الدول الإفريقية والآسيوية واللاتينية والعربية بمجرد صعود رئيس وزراء كيان الاحتلال لإلقاء كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة، تاركاً قاعة شبه فارغة؛ في مشهد أرسل رسالة واضحة بأن الكيان بات سلطة معزولة وخارجة عن القانون الدولي.
1. الثمن الميداني وحتمية المواجهة
فشل رهان الاحتلال تاريخياً على الكي الممنهج للوعي عبر القتل والتجويع لدفع الفلسطينيين نحو الاستسلام. فطحن المجتمع يرفع منسوب النقمة ويحول الألم إلى طاقة دفع للمواجهة، ومع غياب الأفق السياسي، تتصاعد العمليات الفدائية الفردية والمنظمة في عمق المدن والضفة الغربية، مما يثبت فشل منظومة الردع. وعليه، أسقطت الحرب أوهام أوسلو ورسخت قناعة جازمة بأن المواجهة هي الخيار الوحيد.
1. أسطورة الصمود ونظرية البقاء
على الرغم من الأثمان الباهظة، أفشل سكان غزة مخططات التهجير القسري نحو سيناء، واختاروا البقاء فوق الركام، متوسلين تكافلاً اجتماعياً تمثل في التكايا الشعبية، والمدارس البديلة في خيام النزوح، والتطوع الطبي والإغاثي؛ ليتحول الصمود إلى نمط حياة يجهض محاولات تصفية القضية.
1. التحول التاريخي في الرواية والرأي العام الغربي
شهدت الرواية الصهيونية تصدعاً تاريخياً بفضل التوثيق الحي، حيث تراجعت الحصانة الأخلاقية وتحولت صورة الكيان في جامعات كولومبيا، وهارفارد، والسوربون من ضحية محاطة بالأعداء إلى دولة أبارتهايد ترتكب إبادة علنية. ولم تعد المسيرات في لندن وواشنطن وباريس تطالب بوقف الحرب فحسب، بل باتت تتهم حكامها بالتواطؤ وتطالب بمحاكمتهم كمجرمي حرب لتوريدهم السلاح.
خاتمة
بعد ثلاثة أعوام، لم تحقق الحرب أهدافها المعلنة، لكنها حققت هدفاً غير مقصود؛ وهو نزع الشرعية الأخلاقية عن كيان الاحتلال وعن كل من موّل، أو مرّر، أو حمى آلة الحرب، براً وبحراً وجواً.

0 تعليقات