سلطة الكلمة وسيف المقاومة: ملحمة القائد الذي أعاد صياغة تاريخ الأمة
كتب: موسى عبّاس |مقال راي
خاص | الحديدة اكسبرس الإخباري
مقدمة: في حضرة الاستثناء التاريخي
حين يقف المؤرخون والباحثون أمام سيرة السيد حسن نصرالله، فإنهم لا يقرؤون حياة رجل عادي، ولا يختصرون مسيرة تنظيم سياسي أو عسكري تقليدي؛ بل يفتحون صفحة نادرة من صفحات التاريخ البشري، حيث يلتقي الإيمان المطلق بالوعي الاستراتيجي العالي، وتتلاحم البساطة الإنسانية بالقدرة الفذة على إدارة الصراعات الكبرى. إنه قائد لم يعرف تاريخ العرب الحديث مثيلاً له في قدرته على قيادة مقاومة تمكنت، بإمكانياتها المتواضعة وعديدها المحدود، من كسر هيبة أعتى جيش في الشرق الأوسط؛ ذلك الجيش الصهيوني المدعوم بلا حدود من الإمبراطورية الأمريكية والقوى الكبرى في أوروبا، والذي طالما أرهب الجيوش النظامية، واحتل العواصم، وألقى الرعب في قلوب الحكام والشعوب.
وهي سيرة تضعنا أمام نموذج قيادي مركب وشديد التأثير في تاريخ الصراع العربي الصهيوني والمنطقة عموماً؛ لقد مثّل الرجل حالة استثنائية جمعت بين الكاريزما الجماهيرية، والبراغماتية السياسية، وإدارة الصنوف العسكرية والأمنية المعقدة في مواجهة تفوق تكنولوجي واستخباراتي هائل.
هذا البحث ليس تأريخاً عابراً، بل هو تفكيك جاد لظاهرة قيادية استثنائية دخلت عقول الخصوم قبل قلوب الأنصار، وتتآكل أمام عظمتها أحدث تقنيات التجسس وشبكات الاستخبارات العالمية، متخذة من كربلاء ونهج الإمام الحسين عليه السلام مناراً للحق، ومساراً للدفاع عن المستضعفين، وميزان مبدأ لا تأخذه في الله لومة لائم.
1. الجذور والنشأة:
من بساطة الهامش إلى صلب الإرادة :
وُلد السيّد حسن نصرالله في الحادي والثلاثين من آب لعام 1960 في بيئة تتنفس الفقر والكرامة معاً، في أحد أفقر أحياء الضاحية الشرقية لبيروت وهي الكرنتينا، لعائلة من إحدى قرى الجنوب وهي البازورية. تشكلت ملامح طفولته وسط قسوة العيش وشظف الحرمان في الهامش البيروتي، وهي نشأة عصامية صقلت فيه روح التواضع والانتماء الحقيقي للمستضعفين.
مع تصاعد النضال الفكري والديني، وفي عام 1976، شد الرحال إلى حوزة النجف الأشرف في العراق طلباً للعلم الديني، قبل أن يُجبر على مغادرتها عام 1978 إثر حملات التضييق والملاحقة التي قادها النظام العراقي ضد المعارضة الدينية ، ليعود إلى لبنان ويستكمل دراسته وتدريسه في حوزة الإمام المنتظر في بعلبك. وفي هذه المرحلة المبكرة، انخرط تنظيمياً في صفوف حركة أمل، حيث تدرج في المسؤوليات التنظيمية والجهادية وأصبح مسؤولاً تنظيمياً للبقاع، قبل أن تحدث مفارق كبرى تدفعه لاحقاً نحو آفاق تأسيسية أوسع مع الاجتياح الصهيوني عام 1982.
1. التأسيس والمؤسسية:
من البذور إلى الرسالة المفتوحة وهيكلية الحزب (1982 - 1992) مع الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982، وتحديداً إثر الاختلافات في الرؤى السياسية والجهادية داخل حركة أمل حول سبل مواجهة الاحتلال، كان السيد حسن نصرالله في طليعة القيادات الشابة التي أسست البوادر الأولى لحزب الله.
طوال العقد الأول الممتد بين عامي 1982 و1992، لم تكن المسيرة مفروشة بالورود؛ بل غطتها حقبة العمل السري والمواجهة الميدانية الطاحنة. وفي عام 1985، أعلن الحزب رسمياً عن هويته ومنهجه السياسي عبر وثيقته الشهيرة المعروفة بالرسالة المفتوحة التي وجهها إلى المستضعفين في لبنان والعالم.
وعلى صعيد البناء الداخلي، أرسا السيد حسن نصرالله والأوائل هيكلية مؤسسية صلبة ودقيقة، تتوزع بين مجلس الشورى بوصفه السلطة القيادية والتشريعية العليا التي ترسم السياسات العامة، ومجلس الجهاد المسؤول عن إدارة العمليات العسكرية والتخطيط الاستراتيجي المقاوم.
هذه المرحلة أسست لترسيخ البنية التنظيمية وتوسيع قاعدة المقاومة الشعبية، متجاوزة كل محاولات الاستئصال. وحين استشهد الأمين العام السيد عباس الموسوي بغارة صهيونية في شباط 1992، وقع الاختيار الإجماعي على السيد حسن نصرالله أميناً عاماً، ليُنقل الحزب من مرحلة العمل الفصائلي إلى مرحلة المؤسسية الاستراتيجية الشاملة.
1. محطات العبور الكبرى:
من تفاهم نيسان إلى التحرير، تحرير الأسرى، تموز، وسوريا شهدت مسيرة قيادة السيد نصرالله محطات مفصلية أعادت رسم توازن القوى في الصراع وتتمثل في الآتي:
•تفاهم نيسان في عام 1996:
إثر عدوان عناقيد الغضب الصهيوني، استطاعت المقاومة فرض قواعد اشتباك رسمية ودولية شرعت حق المقاومة في استهداف الاحتلال وحمت المدنيين نسبياً، في أول إقرار دولي بشرعية العمل العسكري لحزب الله.
•تحرير العام 2000 وخطاب بنت جبيل التاريخي:
في الخامس والعشرين من أيار 2000، أُجبر جيش الاحتلال على الانسحاب المدوي من جنوب لبنان والبقاع الغربي دون قيد أو شرط، مسجلاً أول هزيمة عربية استراتيجية للكيان الصهيوني. وفي الاحتفال الجماهيري الحاشد في بنت جبيل المحررة، أطلق السيد نصرالله خطابه الشهير الذي جسد روح الانتصار وأطلق فيه مقولته التاريخية المدوية: "إنّ اسرائيل أوهن من بيت العنكبوت"، لتصبح هذه العبارة عنواناً استراتيجياً جديداً يسقط هيبة الردع الصهيوني في وجدان الأمة. وبقي الاحتلال محتلاً أجزاءً من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا اللبنانية لتستمر المقاومة في مشروعها حتى استكمال التحرير.
•ملحمة تحرير الأسرى عبر عقود وعمليات تبادل:
لم تقتصر إنجازات المقاومة على دحر الاحتلال الجغرافي، بل توجت بقيادة السيد نصرالله بملفات نوعية لتحرير الأسرى والمعتقلين من سجون الاحتلال وأبرزها عمليات التبادل الكبرى في الأعوام 1998 و2004 و2008، والتي أعادت مئات الأبطال ورفات الشهداء إلى حضن الوطن في انتصار إنساني وأخلاقي مدو.
•ملحمة صمود وانتصار تموز 2006:
في حرب استمرت ثلاثة وثلاثين يوماً، أدار السيد نصرالله معركة عسكرية ونفسية واستراتيجية أذهلت العالم، لتنتهي بصمود أسطوري وفشل صهيوني ذريع في تحقيق أهدافه، وتبع هذه الحرب صدور القرار الدولي 1701 الذي فرض معادلات ردع جديدة على الحدود الجنوبية.
•حرب سوريا في مفصل 2013 وما بعده:
في قراءة استراتيجية عميقة لمخاطر المشروع التكفيري الإقليمي، اتخذ السيد نصرالله قراراً جريئاً بالدخول إلى الميدان في سوريا لمنع سقوط محور المقاومة وقطع الطريق على ممرات الإمداد الاستراتيجية، وهو قرار وإن أثار جدلاً داخلياً حاداً، إلا أنه أثبت لاحقاً محوريته في حماية الأمن القومي للبنان والمقاومة.
1. العمل الجماعي وتكامل القيادة:
الشراكة مع القيادتين السياسية والعسكرية وعلاقته بالقائد سليماني
لم يكن نجاح مسيرة السيد نصرالله وليد جهد فردي، بل استند إلى رؤية تشاركية عميقة وتعاون وثيق ومستمر مع القيادتين السياسية والعسكرية للمقاومة؛ حيث أرسى تقاليد شورائية دقيقة جعلت من الأجهزة المؤسسية جسداً واحداً يتحرك بوعي جمعي، وكان لهذا التكامل الاستثنائي الأثر الأكبر في حصانة القرارات المصيرية.
وفي هذا السياق، برزت علاقته الوثيقة والاستثنائية بالشهيد القائد الحاج قاسم سليماني، حيث شكلا معاً نموذجاً فريداً للتنسيق العابر للحدود، مهندسين معاً ملامح القوة المتصاعدة لمحور المقاومة وتكامل ساحاته في مواجهة المشروع المعادي.
1. شبكة العلاقات الوطنية والإقليمية:
•الداخل، الحريري، وتفاهمات المصير
لم يغرق السيد نصرالله في الفئوية، بل نسج شبكة معقدة وواعية من العلاقات الوطنية والتحالفات الإقليمية تتجلى في المحطات الآتية:
•الشهيد رفيق الحريري:
جمعته بالرئيس الشهيد رفيق الحريري علاقة وطيدة ومميزة قامت على صراحة مطلقة وحرص مشترك على حماية الاستقرار والسلم الأهلي في لبنان رغم التباينات الإقليمية والدولية.
•حركة أمل:
طُوِيَت صفحة التباينات السابقة لترسي تحالفاً استراتيجياً ثابتاً عُرف بالثنائي الوطني، وشكل صمام أمان للساحة الداخلية الشيعية والوطنية.
•التيار الوطني الحر وتفاهم السادس من شباط 2006:
محطة تاريخية جريئة وقعها السيد حسن نصرالله مع العماد ميشال عون، أدت إلى نقل الصراع من المتاريس الطائفية إلى الشراكة الوطنية العريضة وتوفير الغطاء الوطني المقاوم في بيئة مسيحية وازنة.
•حركات المقاومة الفلسطينية والعراقية:
كان السيد نصرالله المهندس الحقيقي لتوحيد الساحات والتنسيق العسكري واللوجستي العالي مع غزة، فضلاً عن دعمه المطلق والموثق للمقاومة في العراق ضد الإحتلال الأمريكي وضد الحركات التكفيرية.
•الشعب اليمني الأبي وأنصار الله:
حظي السيد نصرالله بمكانة روحية ووجدانية رفيعة وغير مسبوقة في قلوب الشعب اليمني الحر؛ فقد بادلهم وفاء بوفاء، وكان صوتاً صارخاً لنصرة مظلوميتهم، مما جعل الشعب اليمني العظيم يحمل له أعمق مشاعر الاحترام والتقدير والإجلال، معتبرين إياه رمزاً للأمة جمعاء.
1. حنكة القيادة وإجبار الخصوم على الاحترام ومواجهة الاستخبارات الكونية
واجه السيد نصرالله طوال مسيرته حرباً استخباراتية غير مسبوقة في تاريخ الحركات التحررية؛ حيث تكالبت عليه وعلى المقاومة أجهزة الاستخبارات العربية والصهيونية والعالمية، مسخرة أحدث تقنيات التجسس الرقمي والتعقب الاستخباراتي والأقمار الصناعية للنيل منه ومن أمنه الشخصي. ورغم شراسة الحملات الإعلامية والسياسية والتحريض الداخلي ضده، إلا أن حنكته العالية، وثباته الروحي، وصدقيته العالية التي كان يقر بها الأعداء قبل الأصدقاء، فرضت احتراماً قسرياً حتى لدى أشد خصومه.
كانت الدوائر الاستخباراتية الصهيونية والعالمية تتابع خطاباته بتمعن لتحليل كل كلمة وحرف، مدركين أن صدق السيد ووزنه الردعي يمثلان قاعدة حساب دقيقة لا تحتمل الخطأ.
1. محور المقاومة والعمق الإيراني: هندسة الردع الإقليمي
على الصعيد الإقليمي، شكّل السيد نصرالله حجر الزاوية والمهندس الميداني الأبرز لمحور المقاومة. بفضل رؤيته الاستراتيجية وعلاقته الروحية والسياسية العميقة مع القيادة الإيرانية وعلى رأسها الإمام السيد علي الخامنئي، تمكن من ربط جبهات المنطقة بشبكة ردع تكاملية جعلت الاعتراف بقوة المقاومة أمراً واقعاً على الخريطة الدولية، وملهماً لكل أحرار العالم والمستضعفين في وجه الهيمنة الأمريكية والغربية.
1. الخاتمة: من محاولات الاغتيال إلى إسناد غزة والارتقاء شهيداً
تكررت محاولات اغتيال السيد نصرالله عبر عقود، نفذتها أعتى وكالات الاستخبارات العالمية، ونجا منها بفضل الله وحنكة أمنية استثنائية. وحين اندلعت معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر لعام 2023، أخذ قراره التاريخي الجريء بفتح جبهة الإسناد الكبرى من جنوب لبنان نصرة لغزة، رابطاً مصير لبنان وفلسطين بوحدة ميدان لا تنفصم عراها.
وفي السابع والعشرين من أيلول من عام 2024، ارتقى السيد حسن نصرالله شهيداً على طريق القدس، إثر غارة استثنائية غادرة استخدمت فيها أطنان من أحدث صواريخ الترسانات الأمريكية ، بعد تعاون أجهزة استخبارات صهيونية وأمريكية وأوروبية وعربية ولبنانية لتحديد مكان تواجده.
لقد غادر القائد جسداً، لكنه ترك خلفه مدرسة في القيادة، وكياناً جهادياً راسخاً، لتظل سيرته مرجعاً تاريخياً وملهماً، وشاهداً حياً على أن سلطة المبدأ والكلمة أقدر على صناعة التاريخ من كل جيوش الطغاة. غادر ومقولته الشهيرة الأخيرة : "«إن أقصى ما يملكه عدونا هو أن يقتلنا.. نحن لا نهزم.. عندما ننتصر ننتصر، وعندما نستشهد ننتصر».ستبقى ما بقيَ هناك
احتلال وظلم ومقاومة .
___________
___________
الاراء الواردة في" الحديدة إكسبرس الإخباري " لا تعبر بالضرورة عن توجهات الموقع.

0 تعليقات