هندسة الاستنزاف المتبادل: بين العقوبات الثانوية، وابتزاز الحلفاء، وفهلوة الخرائط، وفخ تلة "علي الطاهر"

هندسة الاستنزاف المتبادل: بين العقوبات الثانوية، وابتزاز الحلفاء، وفهلوة الخرائط، وفخ تلة "علي الطاهر"


كتب: موسى عبّاس |خاص الحديدة اكسبرس الإخباري 

السبت 22-8-2026 





الحصار كأداة عجز هيكلي واختبار للسيادة الدولية.

بعد خمسة أشهر من العدوان المباشر ضد إيران والذي أثبت عقم الحسم العسكري في الميدان، انكفأت واشنطن نحو سلاحها الأقدم والأكثر كلفة سياسياً: الحرب الاقتصادية.


غير أن حِزَم العقوبات المتجددة والمكثفة لا تعبّر عن قوّة، بل تكشف عن مأزق هيكلي في إجبار الإرادة الإيرانية على الانكسار.


وهنا يبرز التساؤل المُلِِح حول طبيعة الخضوع الدولي:


هل تخضع الدول المطلوب منها تنفيذ الحصار لابتزاز الإدارة الأمريكية؟

الواقع أن السياسة الأمريكية تعتمد على العقوبات الثانوية لفرض عُزلة قسرية على شركاء إيران الكبار،وعلى رأسهم الصين المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وروسيا الشريك الدفاعي والتكنولوجي الأبرز، خصوصاً في ملف المسيّرات، وصولاً إلى الهند، في محاولة بائسة لثنيهم عن التجارة البينية وقطع شرايين الحياة الاقتصادية الإيرانية عبر "شبكات الأسطول المظلم".


هذا الابتزاز الأمريكي يضع هذه العواصم الكبرى أمام اختبار حقيقي لسيادتها واستقلال قرارها في مواجهة الهيمنة الدولارية ونظام "سويفت"، ما يعكس محاولة يائسة لمنع ولادة نظام مالي وتجاري موازٍ .


— استراحة المحارب وتفريغ الترسانة العسكرية:

لا يمكن فصل التصعيد الاقتصادي الحالي عن الأزمة العسكرية الحادة التي تعاني منها المؤسسة العسكرية الأمريكية، إذ تشير تقارير استراتيجية إلى ضغط غير مسبوق واستهلاك هائل لمخازن الصواريخ الهجومية ("توماهوك" وغيره) ومنظومات الدفاع الجوي (كالـ "باتريوت" وباقي أنواع صواريخ الاعتراض) لحماية القواعد الأمريكية والكيان الصهيوني في مواجهة هجمات إيران وجبهات الإسناد.


إن الحصار المتجدد هنا ليس سوى غطاء سياسي واستراحة محارب لكسب الوقت، تهدف من خلاله واشنطن إلى إعادة ملء ترسانتها العسكرية المفرغة، ومحاولة خنق أي متنفس مالي لطهران ريثما تستعيد آلة الحرب الأمريكية توازنها.


— وهم الانتفاضة وسقوط الرهان على التجويع:

تراهن الإدارة الأمريكية، من خلال تشديد الخناق المالي وحظر شبكات التمويل وشحن النفط، على توليد غضب شعبي داخلي يدفع الشارع الإيراني نحو الانفجار ضد النظام. إلا أن هذا الرهان يتجاهل وقائع التاريخ القريب والبعيد، فخمسة عقود من الحصار المطبق لم تكسر بنية الاستقلال الاقتصادي والعلمي لطهران، بل دفعتها نحو مسار الاكتفاء الذاتي وتوطين التكنولوجيا العسكرية. العقوبات التي تستهدف المصادر المالية لا تسقط الأنظمة، بل تعزز تلاحم الجبهة الداخلية في مواجهة الغطرسة الخارجية.


— مهزلة الخرائط الأمريكية وردة الفعل الإيرانية:

في سياق متصل من السقوط السياسي والإعلامي، لم تقتصر الإدارة الأمريكية على العقوبات، بل خرج الرئيس الأمريكي علينا باستعراضات بائسة تمثلت في ترويج طروحات وخرائط تعتبر مضيق هرمز أرضاً أمريكية، في تهريج سياسي يعكس عقلية الهيمنة المتهاوية التي تستخف بالقوانين الدولية والسيادة الوطنية للدول. هذا العبث الجغرافي والسياسي قوبل برد إيراني حاسم يدرك أن أمن الملاحة في المضائق الاستراتيجية ليس مستباحاً، وأن أي محاولة لتحويل الممرات المائية إلى ملكيات استعراضية وهمية ستواجه بمعادلة ميدانية واضحة تربط سلامة الملاحة بوقف العدوان الشامل، لتتحول خرائط ترامب الوهمية إلى مادة للتهكم وسد ذريعة العجز الميداني.


— الوشاية المحلية واستهداف البيئة الحاضنة:

لم يعد الحصار مجرد قرار يصدر من أروقة وزارة الخزانة الأمريكية، بل تحوّل في الحالة اللبنانية إلى خدمة محلية يقدمها أطراف سياسيون وشخصيات تجاهر بعدائها للمقاومة. لقد تطوّع هؤلاء لتقديم قوائم وشاية تشمل أسماء شركات وشخصيات لبنانية،في الداخل والخارج، بزعم تمويل الحزب.


اللافت هنا أن هذه القوائم لا تستند إلى معايير قانونية، بل تتعمد إدراج أسماء متمولين لا تربطهم أي صلة تنظيمية أو سياسية بالمقاومة. إن الهدف من هذا السلوك المرتكز على الحقد والكراهية يتجاوز كونه تصفية حسابات ضيقة ، إنه محاولة مدروسة لمحاصرة المتمولين من الطائفة الشيعية، وتجفيف منابع الدورة الاقتصادية في بيئة المقاومة، على أمل أن يؤدي الضنك المادي إلى استسلام البيئة الحاضنة. هؤلاء المتطوعون للوشاية يغفلون عن حقيقة أن سياسة التحريض الاقتصادي هذه لن تُضعف المقاومة، بل ستزيد من قناعة أنصار المقاومة وهم من جميع الطوائف والمذاهب بأن خصومهم يضعون أنفسهم في خندق واحد مع المعتدي الخارجي ضد لقمة عيش اللبنانيين ومستقبلهم.


— تلة "علي الطاهر" وفخ صورة النصر المصطنعة في الميدان، يعكس إصرار حكومة الاحتلال على التقدم نحو تلة "علي الطاهر" في الجنوب اللبناني عمق المأزق السياسي والعسكري الذي يواجه الائتلاف الحاكم في كيان العدو. بعد فشل ألوية النخبة العسكرية الصهيونية في تحقيق أي اختراق استراتيجي، تحوّلت هذه التلة من هدف تكتيكي إلى مفتاح وهمي يبحث عنه نتنياهو لترقيع صورته المهشمة أمام جمهوره. لكن هذا التحرك يصطدم بمعادلة إقليمية صلبة تمثلها وحدة الساحات؛ حيث إن أي محاولة لاختراق الجبهة اللبنانية لن تبقى محصورة في جغرافيتها، بل ستكون شرارة لتوسيع رقعة الاشتباك وتفعيل جبهات الإسناد المفتوحة.


— معادلة الألم المتبادل وسقوط زمن الإملاءات.

إن المعادلة اليوم تحولت إلى صراع إرادات معقد: واشنطن تحاول شراء الوقت بفرض العقوبات وابتزاز المنظومة التجارية الدولية كالصين وروسيا والهند ورسم خرائط وهمية للمضائق، ونتنياهو يهرب إلى الأمام عبر معارك الصور على تلال الجنوب، وفي المقابل يدير المحور حرب استنزاف طويلة النفس.


إن الابتزاز الأمريكي للدول الكبرى والتهريج السياسي يعكسان أزمة أحادية قطبية تتهاوى تدريجياً، ليبقى الثابت الوحيد أن زمن كسر إيران بالحصار قد انتهى، وأن أمن المنطقة لن يستقيم عبر إملاءات البيت الأبيض أو مغامرات كيان العدو الفاشلة.

إرسال تعليق

0 تعليقات