من البيت الأبيض إلى جنوب لبنان:: التفاوض بالدّم

 


من البيت الأبيض إلى جنوب لبنان:: التفاوض بالدّم


كتب موسى عبّاس| الحديدة إكسبرس الإخباري 

الجمعة 28=2026


تسعى الإدارة الأميركية لمواصلة تحركاتها= الدبلوماسية بشأن جنوب لبنان تحت شعار البحث عن تسوية، غير أن الوقائع الميدانية والسياسية تؤكد أن واشنطن لا تفاوض على انسحاب ولا على تثبيت للسيادة، بل تخوض معركة التفاوض على رأس المقاومة وسلاحها، وبأسرع وقت، قبل أن يفرض الميدان معادلاته المستجدة.


أولاً: متجاوز السلطة الرسمية ومأزق الخيارات الخارجية

تنطلق المقاربة الأميركية من قناعة وصل إليها المبعوثون الغربيون بضعف قدرة القنوات الرسمية ومن رفض القيادات الأمنية والتنفيذية لفرض مواجهة داخلية مع المقاومة أو إمرار خطة نزع السلاح تحت غطاء رسمي الأمر الذي سيؤدي إلى فتنة وحرب أهلية تُدَمِر البلد. هذا العجز دفع واشنطن للقفز فوق القنوات المحلية والحديث المباشر عن معادلات التسوية.


وقد تجلّى هذا التوجه بوضوح عندما أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب رغبته الصريحة بالحديث والتفاوض المباشر مع المقاومة وحزب الله خلال لقائه بالرئيس اللبناني في واشنطن والذي تسرّب منه ردّ الرئيس اللبناني حينها بأنّ "حزب الله هو سرطان لبنان"، وموقف الرئيس "ترامب" فتح الباب لاحقاً أمام تصريحات توم براك الذي أقر بواقعية أن حزب الله جزء أساسي لا يمكن إغفاله في أي تسوية، بينما حسم السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى المعادلة بوضوح حين اشترط تسليم السلاح مقابل أي حديث عن الانسحاب الإسرائيلي.


أمام هذا التجاوز الأميركي، يظهر ارتباك السلطة الرسمية عبر تسريبات ومواقف زوارها التي تسعى لتنصل بيروت من مسؤوليتها عن الجنوب والترويج لمقولة أن الصراع محصور بين (إسرائيل ) والجنوب وليس بينها وبين لبنان وهكذا اعتبر ان الجنوب خارج جغرافيّة لبنان ، في محاولة حثيثة لتقديم أوراق اعتماد لواشنطن وحجز موقع هامشي على طاولة الصياغة.


ثانياً: ربط الملفات وموقف طهران المعلن

على التوازي، جاء التأكيد الإقليمي من طهران ليربط الملف اللبناني بالمسار التفاوضي الشامل مع واشنطن عبر الوسطاء، وهو ما عبّر عنه بوضوح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اللواء محسن رضائي بـأن قضية لبنان حاسمة ولا يمكن فصلها عن المواجهة الشاملة والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، مؤكداً ثبات خطوط المواجهة ورابط الساحات. هذا الموقف يسقط رهانات السلطة الرسمية على شعار "لبنان أولاً" بصيغته القائمة على تجزئة المواجهة، ويضع القرار الرسمي مجدداً في موقع المتابع لنتائج الصراع الإقليمي والدولي لا الصانع له.


ثالثاً: الإعلام والمؤسسات كغرف عمليات موازية

بالتوازي مع الضغط العسكري، تنخرط شبكات إعلامية وسياسية محلية وإقليمية في إدارة المعركة النفسية وتوجيه الرأي العام:


* المؤسسات المحلية (MTV، LBCI، صحيفة النهار، نداء الوطن): يتركز خطها البرامجي والإخباري المعلن على تحميل المقاومة المسؤولية المباشرة عن الدمار والضحايا، وتأطير الاعتداءات الإسرائيلية كـ"نتائج حتمية" لخيارات الجنوب، مع فتح المساحات الشاشية للمطالبة بفرض عقوبات أميركية مالية واقتصادية لتشديد الحصار على البيئة الشعبية.


* القنوات الإقليمية (الحدث، العربية، سكاي نيوز عربية): تتبنى تغطية مكثفة تعيد تسويق الرواية الأميركية والإسرائيلية للحرب، عبر تسليط الضوء الدائم على حجم الخسائر وشيطنة الفعل المقاوم.


* المنصات الرقمية (مثل "هنا بيروت" و"هنا لبنان" والمحسوبة على خط الصهيوني أنطون الصحناوي): تعتمد على التغطية اللحظية للهدم والدمار لإنهاك المعنويات، بالتوازي مع الترويج بالتنسيق مع نوّاب متصهينين من أمثال "غادة أيوب وغسان حاصباني وأنطوان حبشي وغيرهم في البرلمان اللبناني لخطاب سياسي وثقافي يروِّج للتطبيع والاندماج مع المحيط الصهيوني وكسر البيئة المجتمعية المناهضة للاحتلال.


رابعاً: تصعيد ميداني وهندسة جغرافية لتثبيت الاحتلال

تستغل واشنطن لقاءات روما وجولات التفاوض لبيع وهم التقدم الدبلوماسي، بينما يُرافق ذلك ميدانياً تصعيد صهيوني غير مسبوق يرتكب المجازر بحق المدنيين، ويواصل تجريف الأحياء والمنازل، بالتوازي مع محاولات التوغل الميداني الحثيثة للتقدم والسيطرة على تلة "علي الطاهر" الاستراتيجية المشرفة على النبطية وإقليم التفاح، بهدف فرض واقع جغرافي جديد.


إن الهدف من هذا السلوك الميداني هو تحويل الصراع الاستراتيجي حول "الأرض والسيادة" إلى مجرّد "خرائط أمنية وإجراءات تفصيلية"، لتصبح كل نقطة يُسيطر عليها الاحتلال اليوم مادة تفاوضية تقنية على طاولة الغد.


إن المفاوضات التي ترعاها واشنطن لا تهدف إلى وقف الحرب بل إلى تجريد لبنان من مكامن قوته. وفي ظل سلطة رسمية تكتفي بالانصياع للأوامر الخارجية وشبكات إعلامية تجاهر بدورها في تحميل الضحية مسؤولية العدوان، تبقى المسألة الجوهرية محصورة في قدرة الميدان والمقاومة على فرض شروطهما لمنع ترجمة الضغوط السياسية والإعلامية إلى مكاسب للاحتلال.


إرسال تعليق

0 تعليقات